• ×
admin

استقبال رمضان

استقبال رمضان

أ.د. حمزة بن سليمان الطيار

صوم شهر رمضان ركن من أركان الإسلام، وهو عبادة موسمية تكون في العام الواحد ‏مرّة، والمسلم بحاجة إلى أن يتلقّاها على أحسن الوجوه وأليقِها، وأن يأتي عليه هذا الشهر ‏المبارك وقد امتلأ قلبه تعظيماً لهذه الشعيرة واستعداداً لها..

من المعتاد في شؤون المعاشِ أنَّ الشُّروع في كلِّ أمرٍ ذي بالٍ منها يحتاج إلى الاستعداد ‏الملائمِ، وأخذ الأهبةِ اللازمةِ للإبداع فيه، وبقدر أهميَّة ما يستقبله الإنسان منها يتأهب ‏ويتجهَّز، وإذا كانت شؤون هذه الدنيا هكذا فالعباداتُ من باب أولى، فتهيئةُ النفسِ لها ‏بالغة الأهميَّةِ، وهذا له أصلٌ في سير الأنبياءِ عليهم الصلاة والسّلام، فهذا كليم الله موسى ‏عليه السلام لمّا أراد الله أن يُنزلَ عليه التوراةَ هيَّأه لذلك بأمره بالصّيامِ في المدة المذكورة في ‏قوله تعالى: (*وَوَاعَدْنَا *مُوسَى *ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً)، وهذا ‏خاتم المرسلين وقائد الغرِّ المحجّلين نبيّنا محمد صلى الله عليه وسلّم لما أراد الله أن يُنزل عليه ‏الوحيَ ألهمه التّهيُؤ لذلك بالتعبُّدِ في مكانٍ يخلو فيه، فقد ورد في حديث عائشةَ وضي الله تعالى عنها في ‏بدء الوحيِ أنه (حُبِّبَ إِلَيْهِ الخَلاَءُ، وَكَانَ يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ - وَهُوَ التَّعَبُّدُ - ‏اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ العَدَدِ قَبْلَ أَنْ يَنْزِعَ إِلَى أَهْلِهِ، وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا، ‏حَتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ) متفقٌ عليه، ومن هنا ندرك أنَّ العباداتِ الجليلةَ تحتاج إلى ‏استقبالِها بنفوسٍ مُصفَّاةٍ، وأبدانٍ قد تمرّنت على الانقيادِ لما تؤمر به وما تُنهى عنه، وصِيام ‏شهر رمضانَ من هذه العبادات، ولي مع استقباله وقفات:‏

الأولى: صومُ شهر رمضان ركنٌ من أركانِ الإسلامِ، وهو عبادةٌ موسميّةٌ تكون في العامِ الواحدِ ‏مرَّةً، والمسلم بحاجةٍ إلى أن يتلقّاها على أحسنِ الوجوه وأليقِها، وأن يأتي عليه هذا الشهر ‏المبارك وقد امتلأ قلبه تعظيماً لهذه الشعيرةِ واستعداداً لها؛ ولهذا كان النبيُّ صلى الله عليه وسلم يكثر ‏من الصومِ في شعبانَ، كما في حديثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهَا، قَالَتْ: (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ‏صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ: لاَ يَصُومُ، فَمَا رَأَيْتُ ‏رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأَيْتُهُ أَكْثَرَ صِيَامًا مِنْهُ ‏فِي شَعْبَانَ) متفق عليه، وكونُه صلى الله عليه يُولي نافلةَ الصيامِ في شعبانَ أهميّةً خاصّةً له ‏حِكَمٌ متعدِّدةٌ، من بينِها -كما بيَّنه الإمامُ ابن القيمِ رحمه الله تعالى- أنه فعل ذلك تعظيماً ‏‏*لرمضانَ، وهذا الصوم يشبهُ السُّنةَ الراتبةَ التي شُرعتْ قبلَ أداء الفريضةِ تعظيمًا لحقها، ومن ‏أهمِّ ما يُمهّدُ به الإنسانُ لقدومِ هذا الشهرِ التّوبةُ إلى الله تعالى، فإنَّ هذا شهرٌ مباركٌ، ‏والمسلمون مدعوّون فيه إلى الإقبال على الخير والانكفاف عن الشرِّ، كما في حديثِ أَبِي ‏هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ ‏رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلم يفتح مِنْهَا بَاب الْجَنَّةِ فَلَمْ ‏يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أقصر، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ ‏وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ)، رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، وصححه الألبانيُّ، ومعلومٌ أنَّ ابتغاءَ الخيرِ لا بدَّ له من توبةٍ ‏إلى الله من تفريطه في حقوقه، ومن التحلّل إلى العبادِ من حقوقِهم.‏

الثانية: أن يستقبلَه بقلبٍ يصبو إلى التبرّدِ من حرارة الشوق بمناهلِ رمضانَ الصافيةِ، التي تُثلجُ ‏قلبَ المؤمنِ، ويُعينه هذا على أن يقبل على الصوم بقلبٍ توّاقٍ إليه مؤمنٍ بالله تعالى، وبما ‏أوجبه من فرائضه ومنها صيامُ هذا الشهر، محتسباً لهذا العمل عند ربِّه، منقادةً جوارحُه ‏لتطبيق واجباتِه وآدابه، فبهذا يستحقُّ -إن شاء الله تعالى- الأجرَ الوارد في حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ‏رضي الله تعالى عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (مَنْ صَامَ رَمَضَانَ، إِيمَانًا ‏وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) متفقٌ عليه، قال بعض أهل العلمِ: (قوله: *إيماناً ‏‏*واحتساباً: أي نية وعزيمة، وهو أن يصومه على التصديق، والرغبة في ثوابه طيبةً به نفسُه، غيرَ ‏كارهٍ له، ولا مستثقلٍ لصيامه، ولا مستطيلٍ لأيامه، لكن يغتنم طول أيامه لعظم الثواب)، ‏كما أنَّ عليه أن يُقبل على هذا الشهرِ، وهو ينوي الجمع بين أمرين: أحدهما أداءُ الفريضةِ ‏التي تتأدَّى بالكفِّ عن مبطلاتِ الصومِ من الفجر إلى غروب الشمس، بنيةِ فريضة الصومِ، ‏والثاني نيلُ الثوابِ الموعودِ به من صامَ رمضانَ على الوجه اللائق.‏

الثالثة: على المسلم أن يشرعَ في أداءِ عباداتِ رمضان وهو يدرك أن هذا الشهرَ فرصةٌ عظيمةٌ ‏للتحلِّي بكثيرٍ من الخصال الحميدةِ، والتخلّي عن الذميمة، أما الحميدةُ فمنها الصيامُ والقيامُ، ‏ومنها الصدقةُ التي تكون فيه آكدَ من الصدقةِ في غيرِه، ومنها العمرة التي تعادل حجةً مع ‏النبيِّ صلى الله عليه وسلم، كما في الصحيحين، وهو شهر القرآن الذي نزلَ فيه، وكانَ جبريل ‏عليه السلام يدارس النبيَّ صلى الله عليه وسلم فيه القرآنَ، وأما التخلّي عن الخصال الذميمةِ ‏فمن مقاصدِ الصومِ، كما يدلُّ عليه حديث أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ تعالى عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ ‏عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: (الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَلاَ يَرْفُثْ وَلاَ يَجْهَلْ، وَإِنِ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي ‏صَائِمٌ مَرَّتَيْنِ) متفق عليه.

الرياض
بواسطة : admin
 0  0  1