• ×
admin

الليل والنهار في القرآن الكريم

الليل والنهار في القرآن الكريم

د. محمد بن عبدالله آل عمرو

يحتل الليل والنهار في القرآن الكريم مساحة دلالية عميقة، لا بوصفهما ظاهرتين فلكيتين متعاقبتين فحسب، بل باعتبارهما آيتين كونيّتين عظيمتين تتجلى فيهما حكمة الخلق، ودقة التقدير، ووظيفة الزمن، ومعنى الحساب، وصولًا إلى اختلال نظامهما إيذانًا بانتهاء الدنيا وبداية الآخرة. ومن خلال تتبع الآيات القرآنية يتضح أن القرآن يبني تصورًا متكاملًا عن الزمن والإنسان والمصير، حيث لا ينفصل انتظام الكون عن مسؤولية الإنسان ولا عن عدل الحساب.

أولًا: الليل والنهار في سياق الخلق والتقدير: يقرر القرآن الكريم أن تعاقب الليل والنهار فعل إلهي مقصود، قائم على التقدير المحكم، لا على المصادفة أو العشوائية. قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا} (الفرقان: 62)، فاللفظ القرآني «جَعَلَ» يدل على الإنشاء المقصود، بينما تشير كلمة «خِلْفَةً» إلى التعاقب المنتظم الذي لا يختل، في نظام دقيق يضبط حركة الكون. وفي مواضع عديدة يقرن القرآن بين خلق الليل والنهار وخلق السماوات والأرض، ليؤكد أن الزمن عنصر أصيل في البناء الكوني، كما في قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ} (آل عمران: 190).

وهنا لا يُستدعى العقل للإعجاب فحسب، بل للفهم والاعتبار.

ثانيًا: الوظيفة الكونية والإنسانية لليل والنهار: لا يقدم القرآن الليل والنهار بوصفهما تضادًا عبثيًا، بل تكاملًا وظيفيًا يخدم الإنسان في معيشته واستقراره النفسي والجسدي. قال تعالى: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا} (النبأ (10-11)، فالليل زمن السكون والطمأنينة، والنهار زمن السعي والكسب، وفي هذا التقسيم رحمة ظاهرة بالإنسان، إذ لم يُخلق في حركة دائمة ولا في سكون دائم. كما يشير القرآن إلى التدرج الدقيق في دخول الليل في النهار والنهار في الليل، في قوله تعالى: {يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ} (الحـج:61). وهي إشارة لافتة إلى نظام كوني بالغ الدقة، لا يقوم على القطع الحاد، بل على الانتقال المتوازن.

ثالثًا: تعاقب الليل والنهار ووظيفة الحساب: من أعظم وظائف تعاقب الليل والنهار في القرآن إقامة مبدأ الحساب وضبط الزمن. فالزمن في التصور القرآني ليس مجرد إطار للأحداث، بل أداة قياس للتكليف والمسؤولية. قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاء وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} (يونس:5).

وفي آية أخرى أكثر وضوحًا: {وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} (الإسراء:12)، فالحساب الزمني أساس العبادات، والمعاملات، والأعمار، بل وأساس إدراك الإنسان لمسؤوليته عن وقته وعمله، ومن هنا ارتبطت الصلاة، والصيام، والحج، والزكاة، كلها بزمن مضبوط محسوب.

رابعًا: الليل والنهار مجال للاعتبار والتفكر: لم يرد ذكر الليل والنهار في القرآن لمجرد الوصف، بل لاستنهاض العقل والقلب معًا. فالآيات تخاطب «أولي الألباب» و»قوم يعقلون»، لتربط بين انتظام الكون وضرورة انتظام السلوك الإنساني. فكما أن الكون لا يقوم إلا على دقة الزمن، فإن حياة الإنسان لا تستقيم إلا بالالتزام بمنهج الله.

خامسًا: اختلال النظام ونهاية الدنيا: يختم القرآن هذا التصور الكوني عن الليل والنهار بالإشارة إلى أن انتظام الليل والنهار ليس أبديًا، فإذا اختل هذا النظام، كانت تلك علامة على نهاية زمن الاختبار وبداية زمن الجزاء، قال تعالى: {إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انكَدَرَتْ} (التكوير:1-2)، كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن طلوع الشمس من مغربها إيذان بانغلاق باب التوبة، واختلال نظام الزمن الذي عاش عليه الإنسان.

إن الحديث القرآني عن الليل والنهار ليس حديثًا فلكيًا مجردًا، بل بناء معرفي وأخلاقي متكامل، يبدأ بالخلق والتقدير، ويمر بالوظيفة والانتفاع، ويؤسس للحساب والمسؤولية، ثم يختم بالمصير النهائي. وبهذا يغدو الليل والنهار شاهدين دائمين على وحدانية الله، ودقة حكمته، وعدله في الحساب، ومآل الإنسان بين بداية الخلق ونهاية الدنيا.

الجزيرة
بواسطة : admin
 0  0  1