المشي.. لماذا يولد أفضل الأفكار؟
المشي.. لماذا يولد أفضل الأفكار؟
عبد الله سليمان الطليان
منذ آلاف السنين ارتبط المشي بالتأمل والتفكير. فلم يكن الفلاسفة والعلماء ينظرون إلى السير على الأقدام بوصفه نشاطًا بدنيًا فحسب، بل باعتباره وسيلة لتنشيط العقل وإطلاق الخيال. واليوم تؤكد الأبحاث العلمية الحديثة أن هذه الفكرة لم تعد مجرد انطباع شخصي، بل أصبحت حقيقة تدعمها التجارب.
سلطت صحيفة (The Guardian) البريطانية الضوء على هذه القضية في تقرير تناول العلاقة بين المشي والإبداع، مستندة إلى مجموعة من الدراسات العلمية، أبرزها الدراسة الشهيرة التي أجرتها الدكتورة مارلي أوبيتزو (Marily Oppezzo) بالتعاون مع البروفيسور دانيال ل. شوارتز (Daniel L. Schwartz) من جامعة ستانفورد الأمريكية.
وقد نشرت الدراسة عام 2014 في مجلة Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition تحت عنوان:
Give Your Ideas Some Legs: The Positive Effect of Walking on Creative Thinking
«امنح أفكارك ساقين... الأثر الإيجابي للمشي في التفكير الإبداعي».
وقد أجرى الباحثان سلسلة من التجارب على عشرات المشاركين، حيث طُلب منهم أداء اختبارات تقيس ما يسمى التفكير التباعدي (Divergent Thinking)، وهو القدرة على إنتاج أكبر عدد ممكن من الأفكار الجديدة لحل مشكلة واحدة.
وقورنت نتائج المشاركين أثناء الجلوس بنتائجهم أثناء المشي، سواء داخل المختبر باستخدام جهاز المشي، أو في الهواء الطلق.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين كانوا يمشون استطاعوا إنتاج أفكار إبداعية أكثر بكثير من أولئك الذين ظلوا جالسين. وفي بعض الاختبارات ارتفع الأداء الإبداعي بنحو 60 % مقارنة بحالة الجلوس، وهي النسبة التي انتشرت في وسائل الإعلام العالمية.
لكن الباحثين أوضحا أن هذه النسبة ليست قاعدة ثابتة تنطبق على جميع الأشخاص أو جميع أنواع الإبداع، بل تمثل متوسطًا في بعض الاختبارات التي أجريت ضمن ظروف محددة.
تشير مارلي أوبيتزو إلى أن المشي يحفز الدماغ على الانتقال من التفكير التقليدي إلى التفكير الحر، ويقلل من حالة الجمود الذهني التي تصيب الإنسان أثناء الجلوس لفترات طويلة.
أما دانيال شوارتز فيرى أن الحركة تنشط شبكات معرفية متعددة داخل الدماغ، فتزداد القدرة على الربط بين الأفكار المتباعدة، وهو أساس الابتكار والإبداع.
لم يقتصر المقال على الحديث عن المشي فقط، بل أكد أن المشي في البيئات الطبيعية يمنح فوائد إضافية مقارنة بالمشي في الأماكن المغلقة أو المزدحمة.
وفي هذا السياق استشهد المقال بأبحاث عالم النفس الأمريكي ستيفن كابلان (Stephen Kaplan)، صاحب نظرية استعادة الانتباه (Attention Restoration Theory)، والتي ترى أن البيئات الطبيعية تساعد الدماغ على استعادة قدرته على التركيز بعد الإرهاق الذهني.
كما أشار إلى أبحاث الباحثة راشيل كابلان (Rachel Kaplan) التي أوضحت أن قضاء الوقت بين الأشجار والمساحات الخضراء يخفف الضغط النفسي ويزيد صفاء الذهن.
ويفسر علماء الأعصاب هذه الظاهرة بعدة عوامل، منها:
* زيادة تدفق الدم والأكسجين إلى الدماغ.
* تنشيط مناطق مسؤولة عن الذاكرة والانتباه.
* انخفاض مستوى هرمونات التوتر.
* تحسن المزاج، وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة على التفكير الإبداعي.
* إتاحة فرصة للعقل للتجول بحرية وربط الأفكار غير المترابطة.
الإبداع ليس للفنانين فقط
ويشير التقرير إلى أن الإبداع لا يقتصر على الرسامين أو الأدباء، بل يشمل كل إنسان يحتاج إلى اتخاذ قرار، أو حل مشكلة، أو تطوير فكرة جديدة في عمله.
ولهذا بدأت بعض الشركات العالمية تشجع موظفيها على عقد اجتماعات أثناء المشي بدلاً من الجلوس الطويل داخل قاعات الاجتماعات، لما لذلك من أثر في تحسين جودة النقاش وابتكار الحلول.
ويوصي الباحثون بالمشي لمدة تتراوح بين 15 و30 دقيقة يوميًا، ويفضل أن يكون في بيئة طبيعية أو هادئة. ولا يشترط أن يكون المشي سريعًا؛ فالمهم هو الحركة المنتظمة وإتاحة الفرصة للعقل للتأمل بعيدًا عن المشتتات الرقمية.
تكشف الأبحاث الحديثة أن المشي ليس مجرد وسيلة لتحسين اللياقة البدنية، بل أداة لتنشيط الفكر وتوسيع الخيال. وعندما تتحرك القدمان، يبدو أن العقل يتحرك بدوره، فيعيد ترتيب الأفكار ويبتكر حلولًا قد لا تظهر أبدًا خلف المكتب أو أمام شاشة الحاسوب.
الجزيرة
عبد الله سليمان الطليان
منذ آلاف السنين ارتبط المشي بالتأمل والتفكير. فلم يكن الفلاسفة والعلماء ينظرون إلى السير على الأقدام بوصفه نشاطًا بدنيًا فحسب، بل باعتباره وسيلة لتنشيط العقل وإطلاق الخيال. واليوم تؤكد الأبحاث العلمية الحديثة أن هذه الفكرة لم تعد مجرد انطباع شخصي، بل أصبحت حقيقة تدعمها التجارب.
سلطت صحيفة (The Guardian) البريطانية الضوء على هذه القضية في تقرير تناول العلاقة بين المشي والإبداع، مستندة إلى مجموعة من الدراسات العلمية، أبرزها الدراسة الشهيرة التي أجرتها الدكتورة مارلي أوبيتزو (Marily Oppezzo) بالتعاون مع البروفيسور دانيال ل. شوارتز (Daniel L. Schwartz) من جامعة ستانفورد الأمريكية.
وقد نشرت الدراسة عام 2014 في مجلة Journal of Experimental Psychology: Learning, Memory, and Cognition تحت عنوان:
Give Your Ideas Some Legs: The Positive Effect of Walking on Creative Thinking
«امنح أفكارك ساقين... الأثر الإيجابي للمشي في التفكير الإبداعي».
وقد أجرى الباحثان سلسلة من التجارب على عشرات المشاركين، حيث طُلب منهم أداء اختبارات تقيس ما يسمى التفكير التباعدي (Divergent Thinking)، وهو القدرة على إنتاج أكبر عدد ممكن من الأفكار الجديدة لحل مشكلة واحدة.
وقورنت نتائج المشاركين أثناء الجلوس بنتائجهم أثناء المشي، سواء داخل المختبر باستخدام جهاز المشي، أو في الهواء الطلق.
وأظهرت النتائج أن الأشخاص الذين كانوا يمشون استطاعوا إنتاج أفكار إبداعية أكثر بكثير من أولئك الذين ظلوا جالسين. وفي بعض الاختبارات ارتفع الأداء الإبداعي بنحو 60 % مقارنة بحالة الجلوس، وهي النسبة التي انتشرت في وسائل الإعلام العالمية.
لكن الباحثين أوضحا أن هذه النسبة ليست قاعدة ثابتة تنطبق على جميع الأشخاص أو جميع أنواع الإبداع، بل تمثل متوسطًا في بعض الاختبارات التي أجريت ضمن ظروف محددة.
تشير مارلي أوبيتزو إلى أن المشي يحفز الدماغ على الانتقال من التفكير التقليدي إلى التفكير الحر، ويقلل من حالة الجمود الذهني التي تصيب الإنسان أثناء الجلوس لفترات طويلة.
أما دانيال شوارتز فيرى أن الحركة تنشط شبكات معرفية متعددة داخل الدماغ، فتزداد القدرة على الربط بين الأفكار المتباعدة، وهو أساس الابتكار والإبداع.
لم يقتصر المقال على الحديث عن المشي فقط، بل أكد أن المشي في البيئات الطبيعية يمنح فوائد إضافية مقارنة بالمشي في الأماكن المغلقة أو المزدحمة.
وفي هذا السياق استشهد المقال بأبحاث عالم النفس الأمريكي ستيفن كابلان (Stephen Kaplan)، صاحب نظرية استعادة الانتباه (Attention Restoration Theory)، والتي ترى أن البيئات الطبيعية تساعد الدماغ على استعادة قدرته على التركيز بعد الإرهاق الذهني.
كما أشار إلى أبحاث الباحثة راشيل كابلان (Rachel Kaplan) التي أوضحت أن قضاء الوقت بين الأشجار والمساحات الخضراء يخفف الضغط النفسي ويزيد صفاء الذهن.
ويفسر علماء الأعصاب هذه الظاهرة بعدة عوامل، منها:
* زيادة تدفق الدم والأكسجين إلى الدماغ.
* تنشيط مناطق مسؤولة عن الذاكرة والانتباه.
* انخفاض مستوى هرمونات التوتر.
* تحسن المزاج، وهو ما ينعكس مباشرة على القدرة على التفكير الإبداعي.
* إتاحة فرصة للعقل للتجول بحرية وربط الأفكار غير المترابطة.
الإبداع ليس للفنانين فقط
ويشير التقرير إلى أن الإبداع لا يقتصر على الرسامين أو الأدباء، بل يشمل كل إنسان يحتاج إلى اتخاذ قرار، أو حل مشكلة، أو تطوير فكرة جديدة في عمله.
ولهذا بدأت بعض الشركات العالمية تشجع موظفيها على عقد اجتماعات أثناء المشي بدلاً من الجلوس الطويل داخل قاعات الاجتماعات، لما لذلك من أثر في تحسين جودة النقاش وابتكار الحلول.
ويوصي الباحثون بالمشي لمدة تتراوح بين 15 و30 دقيقة يوميًا، ويفضل أن يكون في بيئة طبيعية أو هادئة. ولا يشترط أن يكون المشي سريعًا؛ فالمهم هو الحركة المنتظمة وإتاحة الفرصة للعقل للتأمل بعيدًا عن المشتتات الرقمية.
تكشف الأبحاث الحديثة أن المشي ليس مجرد وسيلة لتحسين اللياقة البدنية، بل أداة لتنشيط الفكر وتوسيع الخيال. وعندما تتحرك القدمان، يبدو أن العقل يتحرك بدوره، فيعيد ترتيب الأفكار ويبتكر حلولًا قد لا تظهر أبدًا خلف المكتب أو أمام شاشة الحاسوب.
الجزيرة