بين يدي عشر ذي الحجة
بين يدي عشر ذي الحجة
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
أولى العُدد التي يحتاج إليها المسلم بين يدي عشر ذي الحجة الإخلاص لله تعالى، فهو أساس الأعمال، وأي عمل خلا منه فهو كالبناء بلا أساس، ثم التوبة إلى الله، فلعلها تخلص التائب من ذنوبه فيسهل عليه الإقبال على الطاعة، فإن الذنوب مشؤومة، ومن أخطر آثار شؤمها كونها سببًا في الحرمان من الأعمال الصالحة، ودواء ذلك التوبة النصوح..
النفس البشرية مجبولة على الملل مما في متناول الأيدي متى أرادت، والسآمة من المتاح الدائم طول الوقت، ومراعاة هذه الخصلة البشرية مقصد شرعي يتجلى في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، كما في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم "يتخولنا بالموعظة في الأيام، كراهة السآمة علينا"، متفق عليه، كما يتجلى في التشريع نفسه، فقد تفضل الله تعالى على عباده بأن ميز بعض الأزمنة بفضائل ليست لغيرها، وجعل العمل فيها أجدى من العمل في بقية الأوقات وفي هذا التخصيص حكمة بالغة؛ لأن النفوس تشتاق إلى ما يأتي حيناً ويغيب في أغلب الأوقات، فلا تقترب هذه الأوقات إلا وقد لاقتها النفوس بالترحيب، ونشطت الأبدان لانتهاز ما فيها من الفضل العظيم، والنفع العميم، وتسابق المتنافسون إلى استغلالها فيما يليق، وتخصيصها بمزيد عناية، وما كان أكثر الناس لينتهز هذه الفرص -كما ينبغي- لو كانت الأوقات كلها متساوية في الفضل، وأجر العمل فيها واحد، والمشروع من العبادات فيها متطابق، فخصصت بعض الأوقات بأعمال جليلة ليست في غيرها، ورتب على سائر الأعمال فيها أجور أوفر، ومن تلك الأوقات عشر ذي الحجة، فلها فضل عظيم، فينبغي أن يهيئ المسلم نفسه للاستفادة منها، ولي مع ذلك وقفات:
الأولى: الإنسان لا يستعد لفرصة خاصة إلا إذا كان مدركاً لقيمتها، راجياً فيها مزيد النفع؛ ولكي يستحضر الإنسان قيمة مواسم الأعمال ينبغي تجديده -بين يديها- النظر فيما ورد فيها من النصوص التي تحرض على استغلالها، ومن النصوص الواردة في فضل عشر ذي الحجة حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء"، أخرجه الترمذي، وقال: "حديث ابن عباس حديث حسن غريب صحيح"، فينبغي التشمير في أداء الفرائض والإكثار من النوافل باختلاف أنواعها، ولا يسوغ له الانشغال بالنافلة على حساب الإخلال بالفريضة، فمن صميم الاستفادة من المواسم إحسان العمل فيها، ولا يكون العمل حسناً إلا بإعطاء الفرض مكانته المقررة له.
الثانية: يوم عرفة هو واسطة عقد هذه الأيام، والغرة في جبينها، وهو موسم مغفرة عظيم، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟"، أخرجه مسلم، ولصيامه فضل عظيم، ففي حديث قتادة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده"، أخرجه مسلم.. ومن أهم ما يعمر به هذا اليوم الدعاء، فهو يوم المنح والهبات العظمى، ولا عجب من ذلك، ففيه أنعم الله تعالى على هذه الأمة بنعمة إكمال هذا الدين، فأنزل فيه قوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"، وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، فينبغي للمسلم أن يلح فيه بالدعاء لمصالح دينه ودنياه ووطنه وقيادته.
الثالثة: مواسم العبادات عبارة عن فرص استثنائية لكسب الحسنات والتخلص من السيئات، ومعلوم أن الاستعداد للكسب يحتاج إلى العدة وإلى التخطيط للمجال الذي يراد الاستثمار فيه، ومعلوم أنه لا يستفيد من سمع باقتراب وقت معرض من معارض البضاعات الدنيوية، فلم يجهز العدة للاستفادة منه، أو جهزها لكن لا يعرف ماذا يريد ولا فيمَ يتنافس؟، وأولى العُدد التي يحتاج إليها بين يدي عشر ذي الحجة الإخلاص لله تعالى، فهو أساس الأعمال، وأي عمل خلا منه فهو كالبناء بلا أساس، ثم التوبة إلى الله تعالى، فلعلها تخلص التائب من ذنوبه فيسهل عليه الإقبال على الطاعة، فإن الذنوب مشؤومة، ومن أخطر آثار شؤمها كونها سبباً في الحرمان من الأعمال الصالحة، ودواء ذلك التوبة النصوح، ومن العدة اللازمة لهذا الموسم بالنسبة لمن نوى الحج أن يلتزم بتعليمات دولتنا المباركة، فلا يحج إلا بالتصريح، ويطبق مع ذلك جميع التعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، والمتعلقة بتنظيم الحج، فلا يسوغ إهمال شيء منها؛ لكونها أوامر من ولي الأمر، وطاعته واجبة، كما أن في الالتزام بهذه الأنظمة تحصيل مصلحة الحاج وسائر إخوانه الحجاج.
الرياض
أ.د. حمزة بن سليمان الطيار
أولى العُدد التي يحتاج إليها المسلم بين يدي عشر ذي الحجة الإخلاص لله تعالى، فهو أساس الأعمال، وأي عمل خلا منه فهو كالبناء بلا أساس، ثم التوبة إلى الله، فلعلها تخلص التائب من ذنوبه فيسهل عليه الإقبال على الطاعة، فإن الذنوب مشؤومة، ومن أخطر آثار شؤمها كونها سببًا في الحرمان من الأعمال الصالحة، ودواء ذلك التوبة النصوح..
النفس البشرية مجبولة على الملل مما في متناول الأيدي متى أرادت، والسآمة من المتاح الدائم طول الوقت، ومراعاة هذه الخصلة البشرية مقصد شرعي يتجلى في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه، كما في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم "يتخولنا بالموعظة في الأيام، كراهة السآمة علينا"، متفق عليه، كما يتجلى في التشريع نفسه، فقد تفضل الله تعالى على عباده بأن ميز بعض الأزمنة بفضائل ليست لغيرها، وجعل العمل فيها أجدى من العمل في بقية الأوقات وفي هذا التخصيص حكمة بالغة؛ لأن النفوس تشتاق إلى ما يأتي حيناً ويغيب في أغلب الأوقات، فلا تقترب هذه الأوقات إلا وقد لاقتها النفوس بالترحيب، ونشطت الأبدان لانتهاز ما فيها من الفضل العظيم، والنفع العميم، وتسابق المتنافسون إلى استغلالها فيما يليق، وتخصيصها بمزيد عناية، وما كان أكثر الناس لينتهز هذه الفرص -كما ينبغي- لو كانت الأوقات كلها متساوية في الفضل، وأجر العمل فيها واحد، والمشروع من العبادات فيها متطابق، فخصصت بعض الأوقات بأعمال جليلة ليست في غيرها، ورتب على سائر الأعمال فيها أجور أوفر، ومن تلك الأوقات عشر ذي الحجة، فلها فضل عظيم، فينبغي أن يهيئ المسلم نفسه للاستفادة منها، ولي مع ذلك وقفات:
الأولى: الإنسان لا يستعد لفرصة خاصة إلا إذا كان مدركاً لقيمتها، راجياً فيها مزيد النفع؛ ولكي يستحضر الإنسان قيمة مواسم الأعمال ينبغي تجديده -بين يديها- النظر فيما ورد فيها من النصوص التي تحرض على استغلالها، ومن النصوص الواردة في فضل عشر ذي الحجة حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، فقالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء"، أخرجه الترمذي، وقال: "حديث ابن عباس حديث حسن غريب صحيح"، فينبغي التشمير في أداء الفرائض والإكثار من النوافل باختلاف أنواعها، ولا يسوغ له الانشغال بالنافلة على حساب الإخلال بالفريضة، فمن صميم الاستفادة من المواسم إحسان العمل فيها، ولا يكون العمل حسناً إلا بإعطاء الفرض مكانته المقررة له.
الثانية: يوم عرفة هو واسطة عقد هذه الأيام، والغرة في جبينها، وهو موسم مغفرة عظيم، فعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار، من يوم عرفة، وإنه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟"، أخرجه مسلم، ولصيامه فضل عظيم، ففي حديث قتادة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صيام يوم عرفة، أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده"، أخرجه مسلم.. ومن أهم ما يعمر به هذا اليوم الدعاء، فهو يوم المنح والهبات العظمى، ولا عجب من ذلك، ففيه أنعم الله تعالى على هذه الأمة بنعمة إكمال هذا الدين، فأنزل فيه قوله تعالى: "اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا"، وعن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خير الدعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير"، فينبغي للمسلم أن يلح فيه بالدعاء لمصالح دينه ودنياه ووطنه وقيادته.
الثالثة: مواسم العبادات عبارة عن فرص استثنائية لكسب الحسنات والتخلص من السيئات، ومعلوم أن الاستعداد للكسب يحتاج إلى العدة وإلى التخطيط للمجال الذي يراد الاستثمار فيه، ومعلوم أنه لا يستفيد من سمع باقتراب وقت معرض من معارض البضاعات الدنيوية، فلم يجهز العدة للاستفادة منه، أو جهزها لكن لا يعرف ماذا يريد ولا فيمَ يتنافس؟، وأولى العُدد التي يحتاج إليها بين يدي عشر ذي الحجة الإخلاص لله تعالى، فهو أساس الأعمال، وأي عمل خلا منه فهو كالبناء بلا أساس، ثم التوبة إلى الله تعالى، فلعلها تخلص التائب من ذنوبه فيسهل عليه الإقبال على الطاعة، فإن الذنوب مشؤومة، ومن أخطر آثار شؤمها كونها سبباً في الحرمان من الأعمال الصالحة، ودواء ذلك التوبة النصوح، ومن العدة اللازمة لهذا الموسم بالنسبة لمن نوى الحج أن يلتزم بتعليمات دولتنا المباركة، فلا يحج إلا بالتصريح، ويطبق مع ذلك جميع التعليمات الصادرة عن الجهات المختصة، والمتعلقة بتنظيم الحج، فلا يسوغ إهمال شيء منها؛ لكونها أوامر من ولي الأمر، وطاعته واجبة، كما أن في الالتزام بهذه الأنظمة تحصيل مصلحة الحاج وسائر إخوانه الحجاج.
الرياض