• ×
admin

إسرائيل الكبرى.. حلم توراتي يكتب النهاية

إسرائيل الكبرى.. حلم توراتي يكتب النهاية

د. فايز بن عبدالله الشهري

يُناور بنيامين نتنياهو بحلم "أرض إسرائيل الكبرى" ضمن تفسير متطرّف لرؤية توراتيّة تتجاوز الحدود الحاليّة لإسرائيل، مستندًا مع اليمين المتطرف إلى حلم "أرض الميعاد" الممتدة من النيل إلى الفرات. وهذه الرؤية ليست مجرد طموح سياسي، بل مشروع أيديولوجي يسعى لإعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق تصوّرات دينيّة متطرّفة، متجاهلّا التاريخ والواقع الجيوسياسي المعاصر. والمشكلة الأساسيّة أمام هذا التصوّر أن إحياء النصوص التوراتيّة سيقابله نفس المفهوم في جوار محتقن ينتظر الفرصة لتفسير مماثل للنصوص الدينيّة المقابلة، ناهيك عن تناسي نتنياهو للدروس التاريخيّة القاسية للشعب اليهودي نفسه، حين قاد زعماء متطرفون مغامرات مماثلة انتهت بكوارث وجوديّة لشعبهم.

وفي هذا السياق، يكشف التاريخ اليهودي بجلاء كيف أدت لحظات المجازفات غير المحسوبة لبعض أسلاف نتنياهو إلى مآسٍ حقيقيّة. ففي القرن الأول الميلادي، قادت "جماعة الزيلوت اليهوديّة" -مدفوعة بهوس ديني وسياسي- تمردّا واسعّا ضد الإمبراطوريّة الرومانيّة بين عامي 66-73 ميلادية، لإقامة دولة يهوديّة مستقلة. وانتهى هذا التمرد الكبير بحصار القدس عام 70 ميلاديّة وتدمير الهيكل الثاني، ونفي جماعي ومعاناة طويلة الأمد لليهود امتدت لقرون. وبالمثل، قاد "شمعون بار كوخبا" بين عامي 132-136 ميلاديّة ثورة أخرى ضد الإمبراطور هادريان، مستندّا إلى رؤية دينيّة، واعتبره كثير من اليهود –حينذاك- المسيح المخلص. وانتهت هذه الثورة بقمع روماني قاسٍ أدى إلى تدمير أكثر من ألف قرية يهوديّة ومقتل مئات الآلاف ونفي اليهود من فلسطين لقرون طويلة. ونتنياهو، بتبنيه تفسيرات لهذه الرؤى التوراتيّة ورفضه التسوية، يسير على نفس الطريق المؤدية لإعادة إنتاج هذه المآسي التاريخيّة.

وحلم نتنياهو هذا سيواجه -إضافة إلى التحديات الدينيّة المقابلة- مواجهات جديدة نابعة من متغيرات الشرق الأوسط، وتحولات موازين القوى الإقليميّة والدوليّة. فالمنطقة لم تعد كما كانت عام 1948، حين قام كيان إسرائيل في ظل ظروف استعماريّة كانت معظم دول المنطقة فيها إمّا محتلة أو تحت الانتداب الغربي. أما اليوم فالقوى الإقليميّة الفاعلة تسعى لتأمين مصالحها الاستراتيجيّة، وتتبنى مواقف مناهضة للسياسات الإسرائيليّة وداعمة للحقوق الفلسطينيّة. وعلى الصعيد الدولي، يشهد النظام العالمي تحولّا بصعود قوى عالميّة جديد على رأسها الصين وروسيا كقوتين منافستين للولايات المتحدة، الداعم الرئيس المتردد حاليّا لإسرائيل. وهذا التحوّل سيُضعف الدعم الأميركي غير المشروط، خاصة مع تزايد الضغوط الدوليّة لإيجاد حل عادل للصراع.

كما يظهر تحليل موازين القوى الحاليّة أن إسرائيل ليست في موقع يسمح لها حتى بطرح رؤية نتنياهو التوسعيّة، فضلّا عن فرضها. فالفلسطينيون، رغم ضعفهم العسكري، يمتلكون قوة معنويّة ودعمّا إقليميًا دوليّا متناميّا في ظل الانتهاكات الإسرائيليّة المستمرة. وصمود مقاومتهم في غزة والضفة يجعل فكرة "القضاء" على حقوقهم مستحيلة وغير واقعيّة. بالإضافة لذلك، تشير التحولات الديموغرافيّة داخل إسرائيل والأراضي المحتلة إلى أن استمرار الاحتلال سيؤدي لأزمة وجوديّة لدولة الاحتلال: فإما أن تصبح إسرائيل دولة فصل عنصري "أبارتايد" معزولة، أو دولة ثنائيّة القوميّة ستواجه حتمًا نهاية هويتها اليهوديّة.

وفي ظل هذه المتغيرات، تبرز اليوم فرصة تاريخيّة أمام إسرائيل لتبني حل الدولتين كبديل عن الأحلام التوسعيّة المهووسة. هذا الحلّ، رغم قصوره، يبقى الخيار الوحيد القادر على ضمان بقاء إسرائيل كدولة يهوديّة (إلى ما شاء الله) مع ضمان الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينيّة، وهو ما تؤيده الأغلبيّة الدوليّة. لكن من الواضح أن تمسك نتنياهو برؤيته التوراتيّة ورفضه التسوية سيقود إسرائيل حتمّا نحو طريق مسدودة قد تعيد سيناريوهات التاريخ الكارثيّة. بمعنى آخر لن ينفع إسرائيل استمرار تجاهل الحقوق الفلسطينيّة فمع سوء حسابات الواقع الإقليمي والدولي ستجد إسرائيل نفسها أمام خيارين مصيريين: إمّا التسوية والتعايش، أو الاستمرار في ترديد أحلام توسعيّة ستقود في النهاية إلى تهديد وجودها.

قال ومضى:
يقول التاريخ في أولى صفحاته: الحمقى وحدهم لا يعتبرون مما سيقرؤون.

الرياض
بواسطة : admin
 0  0  21