• ×
admin

حديث حول الطائف

حديث حول الطائف

د. محمد بن عبدالرحمن البشر

الطائف بستان مكة، ومقصد المصطافين، ومركز الثقافة منذ عصور مضت، ولا يخفى على المرء ما كان يحمله سوق عكاظ من معانٍ كثيرة، وتسابق محموم بين الشعراء والخطباء الذين يفدون إلى سوق عكاظ يلقون به خطبهم وشعرهم، وتحكم الجموع بينهم، كما يتبادل التجار البضائع في رحلة الشتاء والصيف ذهاباً وإياباً من الشرق والجنوب إلى غرب العالم، واليوم يقصدها الكثير من الزائرين يستمتعون بجمال طبيعته، ونسمة عليلة تتسلل بين جباله وأوديته، وكانت الطائف قبل ستين عاماً المصيف الأكثر مقصداً للمصطافين من داخل المملكة، حيث لم يعتد القاطنين في المملكة العربية السعودية على الذهاب إلى خارج البلاد، كما أن الطرق إلى أبها لم تكن متيسرة بالقدر الكافي، وكانت بيروت والقاهرة في ذلك الوقت مقصداً لعدد معدود جداً من طبقة معينة، أما ما عداها فلا يكاد يذكر، وهذا المقال يتحدث عن مميزات الطائف لأن هذا أمر معروف ومشاهد.

‏وهنا الإضاءة عما قيل عن الطائف في كتب الأقدمين، لا سيما أن بعض منهم قد بالغ في كثير من الأمور المتعلقة بنشأته، وكذلك ربط الحديث عن الطائف بعبدالله بن عباس ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، والذي من نسله كانت الأسرة الحاكمة العباسية التي استمر حكمها من عام اثنين وثلاثين ومائة للهجرة حتى ستة وخمسين وستمائة هجرية بعد دخول المغول إلى بغداد، وفي الواقع أن بني العباس حكموا الدولة الإسلامية حكماً مركزياً فترة محدودة من الزمن، لكن بعد عهد المتوكل اختلفت الأمور وأصبح الحكم الحقيقي في يد غير العباسيين، وإن كان الاسم لهم، فحكم البويهيون والسلاجقة والغزنويون وخدام الخليفة مثل بغا الصغير وبغا الكبير وغيرهما كثير.

يقال إن أول من سكن الطائف هم العماليق حيث قدم من حضرموت دلمون بن صدف واسمه مالك، واقترح على أهلها أن يبني حول مدينتهم طائفا أي سور يطوف حولها، فسميت الطائف، بعد أن كان اسمها وج بفتح الواو، ولا دليل قاطع على ذلك، شأنه شأن معظم ما تتناوله كتب التاريخ القديمة والحديثة من نقل دون تمحيص، يختلط فيه الصحيح بالسقيم، وتتداخل فيه الأساطير بمؤانسة ومسامرة الخلفاء والسلاطين، التي يجتهد الرواة والمؤرخون في صياغتها وتمليحها بالقصص والعجائب التي يأنس المستمع أن يشنف أذنه بها، فيسألوا عن هموم الدنيا ولو لبعض الوقت.

تحدث المؤرخون عن تاريخ الطائف، وأقدم كتاب وصل إلينا عن تاريخ الطائف هو كتاب: بهجة المهج في بعض فضائل الطائف ووج، ومؤلفه هو: أبو العباس أحمد بن علي ابن أبي بكر العبدي الميروقي، نسبة إلى مدينة ميروقة التي تقع في إحدى الجزر التابعة للمملكة الإسبانية اليوم، وكانت فيما مضى جزءا من الدولة الأندلسية، وقد ترك الأندلسيون بها آثارا إسلامية رائعة بقيت حتى يومنا هذا، والمؤلف قدم إلى مكة المكرمة ولا يعرف تاريخ قدومه إليها، وهل جاء بنية الحج فقط، أم أنه كان عاقدًا العزم على البقاء في مكة ما بقي من عمره، انتقل إلى الطائف وأحبها وتعلق بمحبة عبدالله بن عباس الذي دفن في الطائف، وبالغ في ذكر مناقبه، ونقل لنا عن الأزرقي أن الله أمر جبريل أن يقتلع قطعة من الشام وأن يطوف بها على الكعبة سبع مرات ويضعها في المكان الذي فيه الطائف الآن، فسميت الطائف، وهذا خبر بلا شك يصعب تصديقه، كما ذكر أن مبيضة ضاعت في أحد أودية الطائف فخرجت في المدينة، وهذه من الأحاجي التي لا توافق العقل، وكان الميروقي معاصراً للشيخ محب الدين أحمد بن عبدالله الطبري الشافعي، مفتي الشافعية في مكة، والمدرس بالحرم الشريف، وذكر الميروقي أن محب الدين الطبري قد شكا إليه انشغال المتوكل ملك اليمن عن ملاقاته أثناء قدومه للحج، فقال لا عليك فأنا الذي صرفته عنك لتتفرغ للعبادة في موسم الحج، وما عليك إلا الانتظار وسيأتيك منه خطاب يدعوك للقدوم إليه، فوقع ما قال، فزعم بعض ممن سمع بالقصة أنه يستخدم الجن أو السحرة.

ومن عجيب المصادفة أنني ما كدت أتمم قراءة كتاب ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربي لمحب الدين الطبري حتى وقعت عيني على كتاب بهجة المهج للميروقي المعاصر له، الذي روى قصته معه، وكلا الكتابين فيهما ما يصعب تصديقه الشيء الكثير.

الجزيرة
بواسطة : admin
 0  0  3