• ×
admin

سجدة (لامين لامال)

سجدة (لامين لامال)

أ.د. عثمان بن صالح العامر

تعد مباريات كأس العالم التي تجري هذه الأيام في الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك حدثًا عالميًا مهماً، تتقاطع فيه الثقافات والهويات واللغات والأديان. فضلا عن كونه منافسة رياضية دولية يشاهدها ويتابع أحداثها ويقرأ عنها ويستمع لتحليل المحللين عنها الملايين، وفي هذا المشهد الواسع، لا يغيب البعد الديني عن اللاعبين، إذ يعبر كثير منهم عن معتقداته بصورة عفوية أو أنها مقصودة بعد تسجيله الهدف أو تحقيق فريقه الانتصار أو حتى عند الخروج من المنافسة.

لقد اعتاد الجمهور أن يرى لاعبين مسلمين يسجدون شكرًا لله بعد هدف أو فوز، كما اعتاد أن يشاهد لاعبين مسيحيين يرسمون إشارة الصليب على صدورهم أو يرفعون أصابعهم إلى السماء في تعبير عن إيمانهم الغيبي، بينما يمارس آخرون من ديانات مختلفة طقوسًا أو إشارات تعكس أيديولوجياتهم التي يضمرونها في قلوبهم. وغالبًا ما تُستقبل هذه المظاهر بوصفها جزءًا من حرية اللاعب في التعبير عن قناعاته الشخصية، ما دامت لا تتضمن إساءة أو تحريضًا أو مخالفة للوائح المنظمة للمونديال. غير أن ردود الأفعال لا تكون دائمًا متساوية. ففي بعض الأحيان يثار جدل واسع عندما يكون التعبير صادرًا عن لاعب مسلم، في حين تمر ممارسات مشابهة من لاعبين آخرين مرورًا عاديًا. وهذا التفاوت يفتح بابًا للنقاش حول مدى الاتساق في التعامل مع حرية التعبير الديني داخل الوسط الرياضي.

ومن الأمثلة التي لاقت اهتمامًا إعلاميًا واسعًا ما أثير حول سجود اللاعب الإسباني الشاب (لامين يامال) بعد تسجيله هدفه الأول في المونديال في مرمي منتخبنا الوطني، حيث انتشرت صور السجود على نطاق واسع وأثارت نقاشات متعددة عبر القنوات الإعلامية ومواقع التواصل الاجتماعي، مع أن اللاعب أوضح بعد المباراة أن ما قام به كان تعبيرًا عن الشكر لله، وهذا يدخل في إطار الحرية الدينية التي كفلها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والذي ينص على حق الإنسان في حرية الفكر والوجدان والدين، بما يشمل إظهار معتقده في حدود احترام حقوق الآخرين والنظام العام. وهو في هذه الحالة مارس عبادة شخصية لا تحمل بالضرورة رسالة دعوية مباشرة، وإن كانت قد تثير فضول الآخرين للتعرف على الإسلام وقيمه. إذ أثبتت التجارب السابقة أن الأحداث الرياضية الكبرى يمكن أن تكون نافذة للتعريف بالإسلام بصورة حضارية. ففي كأس العالم FIFA في قطر 2022 برزت مبادرات ثقافية ودعوية متعددة، شملت توفير ترجمات لمعاني القرآن الكريم، وتنظيم جولات تعريفية، وإبراز قيم الضيافة واحترام التنوع الثقافي، الأمر الذي لقي اهتمامًا من كثير من الزوار ووسائل الإعلام. وقد أشادت تقارير إعلامية عديدة بهذا الحضور الثقافي والديني المصاحب للبطولة.

إن الرياضة بطبيعتها تجمع الشعوب ولا تفرقها، ومن الجميل أن يبقى الملعب ساحة للتنافس الشريف، وفي الوقت نفسه مساحة تحترم فيها هوية الإنسان ومعتقده، دون تمييز أو ازدواجية في المعايير. فإذا كان العالم يتقبل إشارة الصليب أو غيرها من الطقوس الدينية باعتبارها تعبيرًا شخصيًا، فمن الإنصاف أن يُنظر إلى سجود اللاعب المسلم بالمنظار نفسه، بعيدًا عن التهويل أو التأويل. ويبقى الأهم أن يدرك الرياضيون، خصوصا المسلمين منهم، أنهم يمثلون أوطانهم وقيمهم وأخلاقهم قبل أن يمثلوا أنديتهم أو منتخباتهم. فالسلوك الحسن، والتواضع، واحترام المنافس، والصدق، والانضباط، هي في حقيقتها من أعظم وسائل التعريف بالإسلام، وقد تكون أبلغ أثرًا من أي خطاب. فالدعوة ليست كلمات تُقال فحسب، بل هي قيم تُرى، وأخلاق تُمارس، وقدوة يلمسها الناس في الميدان قبل المنابر، فاللهم أجعلنا من الساجدين لك يا رب طاعة وانقياداً، شكرا وامتنانا وعرفانا بنعمك وفضلك علينا، دمتم بخير، وتقبلوا صادق الود، وإلى لقاء، والسلام.

الجزيرة
بواسطة : admin
 0  0  4