• ×
admin

الذكاء الاصطناعي الذي يشكلنا

الذكاء الاصطناعي الذي يشكلنا

د. زياد بن عبدالعزيز آل الشيخ

حين علقت أنثروبيك الأسبوع الماضي بأمر من واشنطن نموذجها المتقدم الجديد، صورت القصة على أنها خلاف آخر حول الذكاء الاصطناعي المتقدم يخص ضوابط التصدير وحماية الأمن القومي. لكن الدرس الأعمق أبسط من ذلك، أن الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم لا يحكمه العرض والطلب فقط، إنما تملكه سلطة بيدها أن تقننه بين عشية وضحاها.

يوجد ما ينبغي للحكومات أن تقلق منه أكثر من التأميم المقنن. الدول التي تبني استراتيجيات الذكاء السيادي تخلط بين أمرين مختلفين. الأول مسألة الوصول، أن يقطع الخدمة مزود خارجي بقرار حكومي، كما حدث مع نموذج أنثروبيك. الثاني مسألة المعرفة الداخلية، عندما لا تملك المؤسسات المعرفة الكافية بنفسها، حيث سجلات رواتبها وعقودها ومشترياتها مبعثرة في أنظمة خارج سلطتها الكاملة لتدقيقها أو تكييفها. المسألة الأولى تحل بتغيير المورد. المسألة الثانية أعمق، لأن البدائل الخارجية موجودة إنما المعرفة الداخلية لا تستبدل بغيرها.

أكثر الأنظمة الداخلية امتلاكا للمعرفة المؤسسة هي أنظمة الموارد. أنظمة الموارد هي سجل القرار المؤسسي من الموافقات والدفعات والتعيينات ومئات أخرى من أصناف العمليات. إذا كانت الأصول المعرفية غير منظمة أو يوجد حاجز يمنع الوصول إليها، فإنك تفقد سيادتك على ذاكرتك وهو أخطر من فقدان السيطرة على السوق.

مع دخولنا لعصر الذكاء الاصطناعي يصبح لدينا قدرة على إعادة هيكلة المعرفة الداخلية، حيث نتقدم في حل المسألة الثانية. لكن ستواجهنا عقبة جديدة. كيف نستخلص المعرفة الداخلية للمؤسسة بأدوات لا نسيطر عليها؟ إذا لم تحل هذه المشكلة، فسنجد أنفسنا أمام خزينة معرفية مغلقة لا نملك رقمها السري.

سنجد أنفسنا في مرحلة اللحاق بالركب التي تكلمنا عنها سابقا. قد نملك الأدوات، لكن نفقد مهارة التوجيه والتخصيص وإعادة التصميم. ليس الأمر معلما تحققه لتنتقل إلى غيره، إنما أن تستقر في حالة معرفية ثابتة لا تخرج منها. أن تمتلك المؤسسة المهارة في حيازة معرفتها بنفسها وأن توظفها كما تريد ومتى تريد باستقلالية كاملة. إذا وظفت المؤسسة نموذج ذكاء اصطناعي قوي لهيكلة معرفتها، فإنها استأجرت الأداة وأجرت المعرفة لغيرها. والخطر الكامن أن تفقد الإثنين معا، ما استأجرته وما أجرته. هكذا تكون تقدمت خطوتين، وبقرار خارجي واحد يمكن أن تتراجع أربع خطوات.

الفرق بين ما قبل الذكاء الاصطناعي وما بعده بسيط؛ قبل الذكاء الاصطناعي، لا أنت ولا المورد تملكان المعرفة المؤسسية، لأن المورد يعتمد عليك لتحصيلها وأنت تعتمد على المورد للشيء نفسه. بذلك يكون الأمر لا علي ولا لي.. بعد الذكاء الاصطناعي، أنت لا تملك المعرفة المؤسسية إنما المورد يملكها حتى وإن كان قرار التصرف فيها بيدك. كنت تفقد السيطرة على الأدوات المؤسسية، والآن أنت مهدد بفقدان المعرفة نفسها والأدوات التي تنتجها.

السؤال المهم في سباق السيادة الرقمية في عصر الذكاء الاصطناعي لا يبدأ من نماذجه القوية.. ليس الشأن في من يملك النموذج أو من يورده، إنما من يسيطر على المعرفة التي سيتعلم منها النموذج بناء على مجريات الواقع الذي تصنعه أنت كل يوم؟

الرياض
بواسطة : admin
 0  0  1