• ×
admin

نظام «الطيبات» بين الترند والطب: من يقود قراراتنا الصحية؟

نظام «الطيبات» بين الترند والطب: من يقود قراراتنا الصحية؟

فاطمة آل مبارك

في زمن أصبحت فيه المعلومة الصحية تنتشر خلال ثوانٍ، لم تعد التحديات الصحية مرتبطة بأمراض الجسد فقط، بل امتدت إلى أزمة معرفية تتشكل وسط تدفق هائل من النصائح والادعاءات التي يصعب أحيانًا التحقق من مصادرها.

وفي هذا الفضاء الرقمي المفتوح، تحولت بعض الأنظمة الغذائية إلى ظواهر واسعة الانتشار، تُقدَّم عبر صور جذابة ووعود استثنائية تمنح المتلقي شعورًا بامتلاك حلول سريعة نحو الصحة والعافية، بينما تبقى الحقيقة الصحية أكثر تعقيدًا إذ ترتبط بالدليل العلمي، وفهم احتياجات الجسم، والعودة إلى المصادر الموثوقة.

ومن بين هذه الصيحات التي أثارت جدلاً واسعًا ما يُعرف بـ«نظام الطيبات»، الذي يقوم وفق ما يُتداول عنه على تصنيفات غذائية حادة تقسم الأطعمة إلى مجموعات يُنظر إلى بعضها على أنها نافعة بشكل مطلق وأخرى ضارة بشكل مطلق، مع استبعاد بعض المكونات الغذائية الأساسية، وتقديم توصيات لا تستند إلى منهج صحي شامل يراعي اختلاف الأجسام والاحتياجات.

فالإنسان ليس معادلة غذائية واحدة، والصحة لا تُبنى على قاعدة ثابتة تناسب الجميع إذ تختلف الاحتياجات باختلاف العمر، والحالة الصحية، ونمط الحياة، والأدوية المستخدمة. وما قد يكون مناسبًا لشخص سليم قد لا يكون ملائمًا لشخص يعاني من حالة صحية معينة.

وتزداد الإشكالية عندما تنتقل هذه الأنظمة من كونها خيارًا شخصيًا إلى الاعتقاد بأنها بديل عن العلاج الطبي، فالغذاء الصحي عنصر أساسي في الوقاية وتحسين جودة الحياة، لكنه لا يحل محل التشخيص الطبي ولا يغني عن العلاجات الموصوفة عند الحاجة.

وتؤكد التوعية الصحية الرسمية أهمية الاعتماد على الأنظمة الغذائية المبنية على أسس علمية، وعدم استخدام أي نمط غذائي غير مثبت كبديل للعلاج أو تعديل الأدوية دون إشراف المختصين، خصوصًا لدى مرضى الأمراض المزمنة الذين قد يتعرضون لمضاعفات نتيجة قرارات غير مدروسة. وتبرز خطورة ذلك بصورة أكبر لدى مرضى السكري، حيث قد يؤدي التغيير غير المنظم في النظام الغذائي أو العلاج إلى اضطرابات في مستويات السكر ومضاعفات صحية تستدعي التدخل الطبي.

إن القضية لا تتعلق برفض الاهتمام بالغذاء أو البحث عن نمط حياة صحي، فالعناية بالتغذية والنشاط والوقاية تمثل جانبًا مهمًا من الوعي الصحي، وإنما تتعلق بطريقة التعامل مع المعلومة. فعندما تتحول تجربة فردية أو رأي غير متخصص إلى قاعدة عامة، تصبح صحة الإنسان مجالًا للتجارب غير المحسوبة.

كما يكشف انتشار هذه الأنظمة تحديًا متزايدًا في عصر المنصات الرقمية فالمعلومة الأكثر انتشارًا ليست دائمًا الأكثر دقة، وقد تجذب الرسائل المبسطة والمثيرة الانتباه أكثر من التوجيه الطبي المتزن، رغم أن القرارات الصحية تحتاج إلى معرفة موثوقة ودليل علمي.

وهنا تأتي مسؤولية الجميع، فالفرد مسؤول عن التحقق من مصادر المعلومات، والأسرة عن تعزيز الوعي الصحي، والمؤسسات الصحية والإعلامية عن تقديم المعرفة المبسطة التي تساعد المجتمع على اتخاذ قرارات أكثر أمانًا.

فالوقاية لا تقتصر على مواجهة المرض بعد حدوثه، بل تشمل أيضًا حماية المجتمع من انتشار المفاهيم الصحية غير الدقيقة. وبين كثرة النصائح وتعدد المصادر، يبقى الوعي الصحي خط الدفاع الأول: أن نسأل قبل أن نتبع، وأن نتحقق قبل أن نثق، وأن نستقي معلوماتنا الصحية من المصادر الرسمية والموثوقة، ومنها منصة «عش بصحة» التوعوية التابعة لوزارة الصحة، أو عبر طلب الاستشارة الصحية من مركز الاتصال (937).

صفوة القول

في القضايا الصحية، لا ينبغي أن تكون التجارب الشخصية أو المحتويات المتداولة مصدرًا لاتخاذ قرارات قد تمس سلامة الإنسان، فالصحة لا تُبنى على الانطباعات أو الصيحات العابرة، بل على المعرفة الموثوقة والاستشارة المختصة.


ويبقى الطبيب والمختص خط الدفاع الأول لحماية صحة الإنسان، أما منصات التواصل فهي مساحة للمعلومة والنقاش وليست بديلًا عن التقييم الطبي. فلا تجعلوا صحتكم ميدانًا للتجارب.

الجزيرة
بواسطة : admin
 0  0  1