• ×
admin

إنجازٌ فطري سعودي يعبر القارات.. «الريادة المتميزة» تتوّج لاستدامة الطيور المهاجرة

إنجازٌ فطري سعودي يعبر القارات.. «الريادة المتميزة» تتوّج لاستدامة الطيور المهاجرة

محمد شايع الشايع

في لحظة تاريخية تعكس التحول النوعي والعميق في مسار العمل البيئي الوطني، سجلت المملكة العربية السعودية إنجازاً دولياً جديداً بحصولها على شهادة «الريادة المتميزة» (Migratory Species Champion Plus) من معاهدة الحفاظ على الأنواع المهاجرة (CMS)، لتؤكد حضورها السيادي والمتقدم في مشهد حماية التنوع الأحيائي عالمياً، ودورها المتنامي في صون مسارات الكائنات المهاجرة العابرة للقارات. إن هذا التتويج يأتي عربونَ اعترافٍ بتراكم عملٍ مؤسسي واستراتيجي رصين في إدارة البيئة، انتقلت فيه المملكة من نطاق المبادرات المتفرقة، إلى بناء منظومة مستدامة وشاملة قائمة على التخطيط العلمي، والتشريع الصارم، والتقنية المتقدمة، بما ينسجم تماماً مع مستهدفات التحول الوطني ضمن إطار رؤية السعودية 2030، الذي يتوشح بدعم ولي العهد الدائم في كل فصول مسيرته وإنجازاته.

وتتجلّى القيمة الحقيقية لهذا الإنجاز في كونه نتاجاً لمنظومة متكاملة يقودها المركز الوطني لتنمية الحياة الفطرية، وبقيادةٍ خبيرة من رئيسه التنفيذي الدكتور محمد علي قربان وفريق عمله، الذين عملوا على تطوير مفهوم حديث، وعالمي لحماية الحياة الفطرية، يرتكز على الربط الوثيق بين حماية الموائل الطبيعية، واستدامتها، والتحول من مفهوم الاكتفاء بمنع التدهور البيئي إلى مرحلة الإثراء الأحيائي. وقد شهدت المملكة في هذا الصدد طفرة في وضع الأنظمة والتشريعات المنظمة للحماية، وإدارة تطبيقها بمهنية عالية، مدعومةً بقرار التوسع التاريخي في إنشاء المحميات، لا سيما المحميات الملكية، التي باتت تُمثّل اليوم شبكة بيئية مترابطة وممرات آمنة توفر نقاط توقف حيوية للأنواع المهاجرة خلال رحلاتها الملحمية الطويلة بين أطراف المعمورة.

وخلال مسيرة العمل المؤسسية برزت مبادرات الاستعادة البيئية الكبرى، وعلى رأسها «مبادرة السعودية الخضراء»، كقوة دافعة لإعادة تأهيل مساحات شاسعة من النظم البيئية المتدهورة، حيث ساهمت استعادة الغطاء النباتي، وتعزيز التنوع الحيوي في دعم استقرار المسارات البيئية (البرية والجوية)، وإعادة التوازن الفطري إلى بيئات كانت ترزح تحت ضغوط بشرية ومناخية متزايدة عبر العقود الماضية.

وعلى الصعيد الميداني، برز الدور الفاعل لـ «القوات الخاصة للأمن البيئي» باعتبارها ذراعاً تنفيذياً متخصصاً في حماية الفطرة وإنفاذ الأنظمة؛ حيث أسهمت بشكل ملموس في الحد من التعديات البيئية، وعلى رأسها الصيد الجائر والتخريب البيئي، عبر منظومة رقابية رقمية صارمة مدعومة بإطار تشريعي وحوكمة ممنهجة. وتعمل هذه المنظومة على الحماية وتهذيب السلوك وزيادة الوعي، من خلال آليات ضبط متميزة تستند إلى قوة الأنظمة والتشريعات البيئية لردع المخالفين وتعزيز الامتثال الوطني. ولم يغفل هذا المسار التنموي توظيف التقنيات الحديثة، إذ أصبح استخدام أنظمة التتبع عبر الأقمار الصناعية، وتحليل البيانات الضخمة، وتقنيات الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من أدوات الإدارة البيئية الحديثة في المملكة. وقد مكّن ذلك المركز الوطني من بناء قدرات استباقية لرصد حركة الكائنات المهاجرة، وتحديد المخاطر المحتملة في مساراتها، مما رفع من فعالية الاستجابة النوعية لحماية الأنواع المهددة بالانقراض.

أما على المستوى «الجيوــ بيئي»، فيكتسب هذا الإنجاز بعداً استراتيجياً فائق الأهمية، نظراً لموقع المملكة الحيوي ضمن مسارات الهجرة الأفرو-أوراسية (Afro-Eurasian Flyways)، حيث تمر عبر أراضينا وسواحلنا أعداد هائلة من الطيور، والكائنات المهاجرة سنوياً. هذا التموضع يجعل من المملكة نقطة ارتكاز لا غنى عنها في منظومة الحماية البيئية العالمية، ويضع على عاتقنا مسؤولية مضاعفة في ضمان استدامة هذه المسارات الحيوية.

إن حصول المملكة على هذه الشهادة الدولية يعكس تحولاً نوعياً في مفهوم «السيادة البيئية»، من مجرد إدارة للموارد المحلية إلى دور قيادي في حماية النظام الحيوي (الإيكولوجي) العالمي. كما يؤكد أن التنمية الاقتصادية المتسارعة في المملكة لم تعد مساراً منفصلاً عن الاستدامة، بل أصبحت جزءاً عضوياً من رؤية شاملة تُوازن بين النمو وحماية الطبيعة. وفي المحصلة، يرسّخ هذا الإنجاز مكانة المملكة لاعباً رئيسياً في صياغة مستقبل الاستدامة الكوكبية، ويؤكد أن الاستثمار في البيئة هو الركيزة الأساسية لبناء مستقبل أكثر توازناً واستقراراً للأجيال القادمة.

عكاظ
بواسطة : admin
 0  0  3