الكذب المرضي لدى المراهقين قد ينجم عن أسباب عصبية
الكذب المرضي لدى المراهقين قد ينجم عن أسباب عصبية
نتيجة خلل في الذاكرة أو صعوبة التحكم في الاندفاع
د. هاني رمزي عوض
كشفت دراسة نفسية حديثة لباحثيمن «جامعة ماكجيل» (mcgill university) بكندا، ونُشرت في مطلع شهر فبراير (شباط) من العام الحالي في مجلة «علم النفس المرضي والتقييم السلوكي» (the Journal of Psychopathology and Behavioral Assessment)، عن احتمالية أن يكون الكذب المرضي لدى المراهقين ناتجاً عن خلل عصبي في المخ مثل ضعف الذاكرة أو صعوبة التحكم في الاندفاع.
الكذب المرضي
يختلف الكذب المرضي عن الكذب العادي في أنه يتم من دون سبب واضح مثل الخوف من العقاب أو الرغبة في إخفاء شيء معين. ولا توجد فائدة تُذكر منه بل على النقيض في بعض الأحيان يكون الصدق له فائدة أكبر، كما أنه يكون قهرياً واعتيادياً. ومع مرور الوقت يصبح سلوكاً متأصلاً ويصعب التوقف عنه، وفي الأغلب يكون نتيجةً لمشكلات نفسية مثل اضطرابات الشخصية أو تدني احترام الذات أو الحاجة إلى الاهتمام.
أوضح الباحثون أن الذاكرة العاملة (القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات قصيرة المدى وتتبع العواقب) تلعب دوراً مهماً في التزام الصدق عند الإجابة على سؤال معين، لأن الشخص يملك المعلومة الصحيحة، بالتالي يصبح من الصعب على الأفراد الذين يعانون من صعوبات في الذاكرة العاملة، تذكر الأحداث وتوقع العواقب ما قد يدفعهم إلى الإجابة بمعلومات غير حقيقية ليس لأنهم يريدون إخفاء الحقيقة، لكن لأنهم لا يملكون الشجاعة لمواجهة عدم قدرتهم على التذكر.
حذر الباحثون من بعض عوامل الخطورة التي يمكن أن تساعد في زيادة فرص الإصابة بالكذب المرضي، مثل التعرض لضغط الأقران فيما يتعلق بالحالة المادية والاجتماعية، والصراعات الأسرية، والتعرض للتنمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولذلك قد يلجأ المراهقون إلى الكذب المرضي بصفته آلية تكيف مع البيئات الاجتماعية المحيطة بهم.
شملت الدراسة أكثر من 500 مشارك تتراوح أعمارهم بين 10 و18 عاماً، بالإضافة إلى آبائهم، وتم تقسيمهم إلى مجموعتين: الأولى عينة عامة كبيرة، والمجموعة الثانية عينة أصغر شملت الأطفال الذين اعتقد آباؤهم أنهم يكذبون بشكل مرضي.
قام الباحثون بسؤال الأطفال والمراهقين المشاركين عن مدى التزامهم بالصدق. وفي حالة الكذب تم سؤالهم بشكل تفصيلي عن طبيعة الكذب مثل: هل يكون نتيجة لمواقف معينة تضطرهم لذلك أم بدون دافع قوي، وأيضاً تم سؤالهم عن مدى تكرار ممارسة الكذب في اليوم الواحد، وهل توجد مرات شعروا فيها بالندم بعد الكذب من عدمه؟ وهل كانت ممارسة الكذب تتم بشكل تلقائي أم بعد محاولات لقول الصدق؟
بعد ذلك قام الباحثون بعمل اختبارات نفسية للأطفال لتقييم مدى اتزانهم النفسي، وهل يوجد تاريخ مرضي للإصابة بالأمراض النفسية، سواء في الأطفال أو أسرهم، أيضاً قام الباحثون بعمل فحوصات لمعرفة هل يوجد قصور في وظائف الجهاز العصبي.
طلب الباحثون من الآباء متابعة أبنائهم جيداً، حيث أجاب الآباء عن أسئلة تضمنت تفصيلات لتشخيص الكذب المرضي، مثل: ما هي عدد المرات تقريباً التي قام فيها الطفل بالكذب خلال اليوم الواحد؟ وهل كان الطفل يكذب حتى في المواقف التي يسهل فيها على الآباء اكتشاف الحقيقة لاحقاً؟ وهل تحتوي الأكاذيب على تفصيلات معينة تجعله يظهر بمظهر الضحية أو البطل؟ وهل الأكاذيب في المجمل تدور حول أمور تافهة لا قيمة لها أم أمور خطيرة؟ وهل يستمر الطفل في الكذب حتى بعد ثبوت عدم صحة الرواية التي رواها.
نتائج الاختبارات
أظهرت النتائج وجود أدلة على الكذب المرضي لدى 63 طفلاً ومراهقاً، ووجد الباحثون ارتباطاً بينه وبين قصور في الوظائف التنفيذية في الجهاز العصبي مثل صعوبة تذكر الأحداث القريبة، وعدم القدرة على التحكم في العواطف بشكل كافٍ.
وعند سؤال الأطفال الذين يعانون من الكذب المرضي، عن مدى تكرار الكذب خلال اليوم الواحد أفاد معظمهم بأنهم يكذبون بمعدل 9.6 كذبة تقريباً يومياً، بغض النظر عن المواقف والأحداث التي تقابلهم في المدرسة والمنزل. وعند الكشف السريري لاحظ الباحثون تغيرات في مستوى الانتباه/الذاكرة العاملة ومستوى النشاط/التحكم في الاندفاع في المخ.
أكد الباحثون أن فترة المراهقة تُعد الفترة الأهم التي تبرز فيها ظاهرة الكذب المرضي، لأنها بطبيعتها تمثل عبئاً نفسياً يجعل المراهق أكثر عرضة لممارسة الكذب، خاصة لدى المراهقين الذين يعانون من تدني تقدير الذات، وهو الأمر الذي يدفعهم إلى اختلاق روايات زائفة لحماية الصورة الذاتية، ما يزيد من الاعتماد على الخداع للحصول على التقدير، بجانب أن الصدمات النفسية التي يتعرض لها المراهق في الأغلب تحفز الكذب واختلاق قصص بطولة وهمية كنوع من الدفاع النفسي.
مع بداية البلوغ، ومع النضج المستمر لقشرة الفص الجبهي في المخ، يحدث تنظيم للعواطف ويقل الاندفاع، وتحدث عملية تقييم للمخاطر مقابل الحصول على الإحساس بالمكافأة، ويبدأ الشاب في إدراك العواقب المترتبة على الكذب المرضي، مثل تراجع المصداقية والتورط في صراعات، ما يؤدي إلى عزلة اجتماعية، ولكن في حالة استمرار الكذب المرضي كسلوك أصيل بعد البلوغ يجب اللجوء إلى معونة متخصصة.
في النهاية، نصحت الدراسة الأسرة بضرورة التعامل مع المراهق الذي يعاني من الكذب المرضي، بصفته مريضاً، يحتاج إلى الدعم النفسي لإعادة بناء الثقة بينه وبين المحيطين به، سواء أفراد الأسرة أو الأقران. وأكد العلماء أن العلاج يعتمد بشكل أساسي على العلاج السلوكي المعرفي، وتعزيز ثقة المراهق بنفسه، مع وجود مشاركة كاملة من الأسرة والأصدقاء، لتصحيح أنماط الخداع المتكرر.
الشرق الأوسط
نتيجة خلل في الذاكرة أو صعوبة التحكم في الاندفاع
د. هاني رمزي عوض
كشفت دراسة نفسية حديثة لباحثيمن «جامعة ماكجيل» (mcgill university) بكندا، ونُشرت في مطلع شهر فبراير (شباط) من العام الحالي في مجلة «علم النفس المرضي والتقييم السلوكي» (the Journal of Psychopathology and Behavioral Assessment)، عن احتمالية أن يكون الكذب المرضي لدى المراهقين ناتجاً عن خلل عصبي في المخ مثل ضعف الذاكرة أو صعوبة التحكم في الاندفاع.
الكذب المرضي
يختلف الكذب المرضي عن الكذب العادي في أنه يتم من دون سبب واضح مثل الخوف من العقاب أو الرغبة في إخفاء شيء معين. ولا توجد فائدة تُذكر منه بل على النقيض في بعض الأحيان يكون الصدق له فائدة أكبر، كما أنه يكون قهرياً واعتيادياً. ومع مرور الوقت يصبح سلوكاً متأصلاً ويصعب التوقف عنه، وفي الأغلب يكون نتيجةً لمشكلات نفسية مثل اضطرابات الشخصية أو تدني احترام الذات أو الحاجة إلى الاهتمام.
أوضح الباحثون أن الذاكرة العاملة (القدرة على الاحتفاظ بالمعلومات قصيرة المدى وتتبع العواقب) تلعب دوراً مهماً في التزام الصدق عند الإجابة على سؤال معين، لأن الشخص يملك المعلومة الصحيحة، بالتالي يصبح من الصعب على الأفراد الذين يعانون من صعوبات في الذاكرة العاملة، تذكر الأحداث وتوقع العواقب ما قد يدفعهم إلى الإجابة بمعلومات غير حقيقية ليس لأنهم يريدون إخفاء الحقيقة، لكن لأنهم لا يملكون الشجاعة لمواجهة عدم قدرتهم على التذكر.
حذر الباحثون من بعض عوامل الخطورة التي يمكن أن تساعد في زيادة فرص الإصابة بالكذب المرضي، مثل التعرض لضغط الأقران فيما يتعلق بالحالة المادية والاجتماعية، والصراعات الأسرية، والتعرض للتنمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ولذلك قد يلجأ المراهقون إلى الكذب المرضي بصفته آلية تكيف مع البيئات الاجتماعية المحيطة بهم.
شملت الدراسة أكثر من 500 مشارك تتراوح أعمارهم بين 10 و18 عاماً، بالإضافة إلى آبائهم، وتم تقسيمهم إلى مجموعتين: الأولى عينة عامة كبيرة، والمجموعة الثانية عينة أصغر شملت الأطفال الذين اعتقد آباؤهم أنهم يكذبون بشكل مرضي.
قام الباحثون بسؤال الأطفال والمراهقين المشاركين عن مدى التزامهم بالصدق. وفي حالة الكذب تم سؤالهم بشكل تفصيلي عن طبيعة الكذب مثل: هل يكون نتيجة لمواقف معينة تضطرهم لذلك أم بدون دافع قوي، وأيضاً تم سؤالهم عن مدى تكرار ممارسة الكذب في اليوم الواحد، وهل توجد مرات شعروا فيها بالندم بعد الكذب من عدمه؟ وهل كانت ممارسة الكذب تتم بشكل تلقائي أم بعد محاولات لقول الصدق؟
بعد ذلك قام الباحثون بعمل اختبارات نفسية للأطفال لتقييم مدى اتزانهم النفسي، وهل يوجد تاريخ مرضي للإصابة بالأمراض النفسية، سواء في الأطفال أو أسرهم، أيضاً قام الباحثون بعمل فحوصات لمعرفة هل يوجد قصور في وظائف الجهاز العصبي.
طلب الباحثون من الآباء متابعة أبنائهم جيداً، حيث أجاب الآباء عن أسئلة تضمنت تفصيلات لتشخيص الكذب المرضي، مثل: ما هي عدد المرات تقريباً التي قام فيها الطفل بالكذب خلال اليوم الواحد؟ وهل كان الطفل يكذب حتى في المواقف التي يسهل فيها على الآباء اكتشاف الحقيقة لاحقاً؟ وهل تحتوي الأكاذيب على تفصيلات معينة تجعله يظهر بمظهر الضحية أو البطل؟ وهل الأكاذيب في المجمل تدور حول أمور تافهة لا قيمة لها أم أمور خطيرة؟ وهل يستمر الطفل في الكذب حتى بعد ثبوت عدم صحة الرواية التي رواها.
نتائج الاختبارات
أظهرت النتائج وجود أدلة على الكذب المرضي لدى 63 طفلاً ومراهقاً، ووجد الباحثون ارتباطاً بينه وبين قصور في الوظائف التنفيذية في الجهاز العصبي مثل صعوبة تذكر الأحداث القريبة، وعدم القدرة على التحكم في العواطف بشكل كافٍ.
وعند سؤال الأطفال الذين يعانون من الكذب المرضي، عن مدى تكرار الكذب خلال اليوم الواحد أفاد معظمهم بأنهم يكذبون بمعدل 9.6 كذبة تقريباً يومياً، بغض النظر عن المواقف والأحداث التي تقابلهم في المدرسة والمنزل. وعند الكشف السريري لاحظ الباحثون تغيرات في مستوى الانتباه/الذاكرة العاملة ومستوى النشاط/التحكم في الاندفاع في المخ.
أكد الباحثون أن فترة المراهقة تُعد الفترة الأهم التي تبرز فيها ظاهرة الكذب المرضي، لأنها بطبيعتها تمثل عبئاً نفسياً يجعل المراهق أكثر عرضة لممارسة الكذب، خاصة لدى المراهقين الذين يعانون من تدني تقدير الذات، وهو الأمر الذي يدفعهم إلى اختلاق روايات زائفة لحماية الصورة الذاتية، ما يزيد من الاعتماد على الخداع للحصول على التقدير، بجانب أن الصدمات النفسية التي يتعرض لها المراهق في الأغلب تحفز الكذب واختلاق قصص بطولة وهمية كنوع من الدفاع النفسي.
مع بداية البلوغ، ومع النضج المستمر لقشرة الفص الجبهي في المخ، يحدث تنظيم للعواطف ويقل الاندفاع، وتحدث عملية تقييم للمخاطر مقابل الحصول على الإحساس بالمكافأة، ويبدأ الشاب في إدراك العواقب المترتبة على الكذب المرضي، مثل تراجع المصداقية والتورط في صراعات، ما يؤدي إلى عزلة اجتماعية، ولكن في حالة استمرار الكذب المرضي كسلوك أصيل بعد البلوغ يجب اللجوء إلى معونة متخصصة.
في النهاية، نصحت الدراسة الأسرة بضرورة التعامل مع المراهق الذي يعاني من الكذب المرضي، بصفته مريضاً، يحتاج إلى الدعم النفسي لإعادة بناء الثقة بينه وبين المحيطين به، سواء أفراد الأسرة أو الأقران. وأكد العلماء أن العلاج يعتمد بشكل أساسي على العلاج السلوكي المعرفي، وتعزيز ثقة المراهق بنفسه، مع وجود مشاركة كاملة من الأسرة والأصدقاء، لتصحيح أنماط الخداع المتكرر.
الشرق الأوسط