• ×
admin

قيادة تصنع السلام

قيادة تصنع السلام

جميل البلوي

لا شك أن السلام لا يُصنع بخطاب عابر أو مبادرة منفردة، بل يحتاج إلى دبلوماسية صادقة وفاعلة، في ظل ما يعيشه

الشرق الأوسط من مرحلة تتجاوز حدود الأزمات التقليدية، بتداخل ملفات أمن الخليج، والعلاقة مع إيران، والحرب في غزة، ومستقبل سوريا واليمن. وفي ظل هذا المشهد، يغدو الحراك السعودي تعبيراً عن قراءة سياسية تدرك أن التحولات الكبرى لا يمكن التعامل معها بالأدوات التقليدية وحدها.

وتعكس تحركات صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، هذه الرؤية بوضوح. فالاستقرار، في المنظور السعودي، ليس نتيجة تلقائية للتنمية، بل أساس لاستمرارها. ومن هذا المنطلق، تدرك المملكة، وهي تمضي في تنفيذ مشروعها الوطني الممتد لعقود، أن جذب الاستثمارات، وتعزيز الثقة، وتوسيع الشراكات الدولية، أهداف يصعب بلوغها في بيئة إقليمية يطغى عليها التوتر وعدم الاستقرار.

ومن هنا يأتي الحرص على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، ليس بوصفه خياراً دبلوماسياً فحسب، بل باعتباره جزءاً من رؤية أشمل لإدارة البيئة الاستراتيجية المحيطة بالمملكة. فالحوار لا يلغي الخلافات ولا يذيب التباينات، لكنه يحد من احتمالات تحولها إلى صدامات، ويمهد لبناء سلام أكثر استدامة.

وفي هذا السياق، يكتسب ما أعلنه الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن تفضيل ولي العهد الحوار مع إيران لخفض التصعيد دلالة تتجاوز مضمون التصريح ذاته؛ إذ يعكس إدراكاً متزايداً بأن المملكة تنظر إلى الاستقرار الإقليمي باعتباره مصلحة استراتيجية مشتركة.

كما يعزز التواصل مع الرئيس التركي، إلى جانب المشاورات المستمرة مع قادة المنطقة، قناعة متنامية بأن أزمات الشرق الأوسط لم تعد قابلة للمعالجة بمنطق المحاور المغلقة أو الاستقطابات الحادة، بل تتطلب دبلوماسية قادرة على إدارة التباينات، وفتح مسارات للحوار، والبحث عن مساحات مشتركة تحول دون اتساع رقعة الأزمات.

بهذا النهج، ترسخ المملكة دبلوماسية تجعل من صناعة الاستقرار هدفاً بحد ذاته، لا مجرد وسيلة لإدارة الأزمات. فنجاح السياسة لا يُقاس فقط بإنهاء الحروب، بل أيضاً بالقدرة على الحيلولة دون اندلاعها، بما يتيح لدول المنطقة توجيه مواردها نحو التنمية والازدهار، بدلاً من استنزافها في دوائر الصراع.

الرياض
بواسطة : admin
 0  0  4