• ×
admin

التفكير العميق

التفكير العميق

د. اياد طلال عطار

انتشرت منصَّات التواصل الاجتماعيِّ، وأصبحت تتنافس على نشر الفيديوهات السطحيَّة، وجلب المشاهدات والأرباح دون الوعي بخطرها على البشريَّة، فليست المقاطع القصيرة مجرد محتوى ممتع، بل نمط تحفيز متواصل يتشكَّل لدرجة أنَّ الدماغ يبدأ في الاعتياد عليه، فتتراجع قدرته على الجلوس مع فكرة طويلة، أو موضوع عميق دون ملل.

فالتفكير العميق الذي تتطلَّبه حياتنا اليوميَّة لم يعد موجودًا في المدرسة وفي الجامعة وفي الوظائف، وحتى الزوج مع زوجته وأبنائه في المنزل، جميعها تطلب تفكيرًا وتحليلًا عميقًا خاصَّةً عند اتخاذ قرار.

تشير إحصاءات من أبحاث حديثة إلى أنَّ الانتباه الكامل لدى المستخدمين يقف عند ثوانٍ قليلة فقط قبل أن يتشتت، فحسب بيانات تحليل المستخدمين يتراجع الانتباه من أكثر من 10 ثوانٍ في بعض المقاطع إلى أقل من 7 ثوانٍ في منصَّات مدعومة بخوارزميَّات تشدُّ الانتباه.

وقد كشفت دراسات في علم النفس العصبي، أنَّ الاستخدام المكثَّف للمحتوى القصير مرتبط بتراجع في السلوكيات التي تحتاج تركيزًا مثل الانتباه المطوَّل والتحكُّم في المشتتات، بما يدعم فكرة أنَّ الدماغ يتكيَّف مع الإيقاع السريع للمحتوى، ويقلل قدرته على الانخراط مع المهام المعقَّدة.

وأظهرت دراسات أخرى أنَّ المقاطع السريعة تدفع الدماغ إلى طلب مكافآت فوريَّة عبر نظام الدوبامين؛ ممَّا يجعل طلب التحفيز السريع عادة يصعب التخلص منها، ويؤثر سلبًا على مهام طويلة الأمد مثل الدراسة والقراءة.

بمعنى آخر ليست المشكلة في كون المقاطع قصيرة فحسب، بل التكرار المستمر والتبديل السريع بين المحفِّزات، ممَّا يضع العقل في حالة استعداد دائم للمثيرات الخفيفة بدلًا من الدخول في العمق، وهذا ما يجعل كثيرين يجدون صعوبة في إكمال قراءة كتاب، أو متابعة درس أو حتى الانخراط في محادثة عميقة دون أن تتسلل إليهم رغبة في الانتقال إلى شيء أخف وأسرع.

تعفُّن الدماغ في هذا السياق ليس مصطلحًا مبالغًا فيه، بل نتيجة يمكن ملاحظتها في سلوكياتنا اليوميَّة حين يتناقص تقديرنا للصبر، ويتراجع تركيزنا تجاه الأفكار الأعمق.

المدينة
بواسطة : admin
 0  0  3