• ×
admin

يوم التأسيس.. حكاية وطن بدأ من قلب الصحراء

يوم التأسيس.. حكاية وطن بدأ من قلب الصحراء

مها الوابل

في كل عام، حين يطل يوم التأسيس، تتوشح الذاكرة بثوب أخضر، وتنهض الحكاية من بين الرمال كما تنهض نخلة عتيقة جذورها ضاربة في عمق الزمن. إنه يوم تستعيد فيه المملكة نبض بدايتها الأولى، حين كانت الفكرة بذرة، وكان الطموح سماءً مفتوحة على اتساعها.

في الثاني والعشرين من فبراير، لا نحتفل بذكرى عابرة، بل نستحضر لحظة فارقة حين أرسى الإمام محمد بن سعود دعائم الدولة الأولى، مؤمناً أن الاستقرار ليس حلماً مؤجلاً، بل مشروع يبنى بالصبر والحكمة والعزم. هناك، في قلب الجزيرة العربية، كانت الخطوة الأولى تشبه إشعال مصباح صغير في ليل طويل، لكنه مصباح ما لبث أن صار شمساً تهدي به القوافل.

تتجه الأبصار إلى الدرعية، تلك البلدة التي احتضنت البدايات، فكانت شاهدة على ميلاد مرحلة جديدة من التاريخ. في أزقتها الطينية، وعلى ضفاف وادي حنيفة، ترددت أصداء البيعة، وتعانقت القلوب على كلمة سواء. أما حي الطريف، فيقف اليوم شامخاً ككتاب مفتوح، صفحاته من طين، لكن معانيه من مجد لا يبهت.

يوم التأسيس ليس استرجاعاً لوقائع محفوظة في بطون الكتب فحسب، بل هو استحضار لقيم تشكلت منها الهوية: الوحدة بعد فرقة، والأمن بعد خوف، والعلم بعد الجهل. هو تذكير أن الوطن فكرة كبرى تسكن القلوب قبل أن ترسم على الخرائط. ومن تلك الفكرة انطلقت مسيرة امتدت عبر القرون، تتجدد في كل جيل، وتكبر مع كل إنجاز.

وفي الرياض اليوم، كما في سائر المدن والقرى، يرفرف العلم عالياً، لا كقطعة قماش، بل كرمز لوعد متجدد بين الأرض وأبنائها. تتعالى الأناشيد، وتلمع العيون بفخر صادق، وكأن التاريخ يمشي بين الناس، يربت على أكتافهم، ويهمس: هنا بدأت الحكاية، وهنا تستمر.

ولا يقتصر أثر هذا اليوم على الاحتفالات والمظاهر، بل يمتد ليوقظ في النفوس معنى الانتماء الحقيقي. في المدارس تُروى السيرة، وفي البيوت يتناقل الأجداد قصص الصبر والكفاح، وفي المجالس تتجدد العهود بأن يبقى وحدة الوطن أولوية فوق كل اعتبار. إنه يوم يعيد ترتيب المشاعر، فيضع الوطن في صدر القلب، كما كان دائماً.

يوم التأسيس يفتح نافذة على المستقبل بقدر ما يرسخ جذور الماضي، فالأمم التي تعرف بداياتها جيداً، قادرة على رسم المستقبل الذي يليق بها. ومن أرضٍ شهدت انطلاقة الدولة الأولى، تتواصل اليوم مسيرة البناء والطموح، مستندة إلى تاريخ عريق ورؤية متجددة.

إنه يوم نتأمل فيه الطريق الطويل الذي سلكه الآباء، وندرك أن ما نعيشه من استقرار ونماء لم يكن وليد الصدفة، بل ثمرة رؤية راسخة وإرادة لا تلين، ويوم التأسيس هو جسر بين ماض مجيد وحاضر مزدهر، ورسالة إلى المستقبل أن الجذور العميقة قادرة دائماً على إنبات أغصان تعانق السماء، وأن الحكاية التي بدأت قبل ثلاثة قرون مازالت تكتب بفخر في صفحات الزمن.

الرياض
بواسطة : admin
 0  0  2