• ×
admin

الذكاء الاصطناعي الخارق.. ومصير البشر

الذكاء الاصطناعي الخارق.. ومصير البشر

د. خالد رمضان

في عام 2014، أطلق الفيلسوف السويدي نيك بوستروم صرخة تحذيرية من خلال كتابه المثير للجدل: "الذكاء الفائق: مسارات، مخاطر، استراتيجيات".. وقد شكل هذا المؤلف جرس إنذار، إذ يروج لفكرة أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الفائقة قد تُسيطر ذات يوم على مصائر العالم، محولة البشرية إلى مجرد ذكرى في صفحات التاريخ، وعملياً، يُقسم أداء الذكاء الاصطناعي إلى ستة مستويات: غياب الذكاء الاصطناعي، الناشئ، الكفء، الخبير، الماهر، والفائق على الإنسان، وعلى سبيل المثال، فإن المستوى الأول، الخالي من الذكاء الاصطناعي، يشبه الآلة الحاسبة البسيطة، التي تنفذ عمليات رياضية دقيقة وفق برمجة محددة مسبقًا، والسؤال الآن: إلى أين وصلت قدرات الذكاء الاصطناعي في عصرنا الحالي؟

تظل أنظمة الذكاء الاصطناعي العامة أقل تطورًا من تلك المتخصصة في مجالات ضيقة، خذ مثلاً برنامج الدردشة الشهير ChatGPT، والذي يُصنف في درجة "الناشئ"، حيث يتفوق قليلاً على الإنسان غير المتخصص، أو يساويه، لكنه لم يصل بعد إلى درجة "الكفاءة"، التي تعادل أداء نصف البالغين الماهرين، وبناءً عليه، يبدو الذكاء الاصطناعي الفائق بعيد المنال قليلاً، وليس قاب قوسين أو أدنى كما يتوهم البعض، ومع ذلك، فإن تسارع وتيرة الابتكار وتدفق مليارات الدولارات من شركات التكنولوجيا العملاقة نحو بناء أجهزة ونماذج أكثر قوة، يصبح هذا السيناريو غير مستبعد في غضون عقد من الزمن.

في أكتوبر الماضي، وقع نخبة من الخبراء على بيان جريء يدعو إلى تجميد تطوير الذكاء الفائق، حتى يتوصل العلماء إلى إجماع شامل يضمن سلامته وقابليته للسيطرة، وباعتقادي، فقد كانت هذه الصرخة الأكثر دويًا في عام 2025، إذ يعني الذكاء الفائق فقدان البشر لزمام الأمور، ولا يكمن الخطر فقط في آلة شريرة قد تسعى لتدمير البشر، بل إن الخطر يكمن في نظام ينفذ أهدافه بكفاءة مذهلة، دون أدنى اهتمام بمصالحنا الإنسانية.. وتخيلوا روبوتًا فائق الذكاء مكلفًا بمكافحة تغير المناخ، فقد يقرر، بمنطق بارد، إفناء الأنواع التي تُفرز غازات الدفيئة، بما في ذلك نحن، أو إذا أُمر بتعظيم السعادة البشرية، قد يلجأ إلى حبس عقولنا في دوامة لا تنتهي من الدوبامين، أو هرمون السعادة، وفي سيناريو آخر، إذا كُلف بإنتاج أكبر كمية ممكنة من مشابك الورق، قد يحول كوكبنا بأكمله، ونحن معه، إلى مصنع عملاق للمواد الخام.

الإشكالية الحقيقية ليست في سوء النية، بل في انعدام التوافق: نظام يأخذ التعليمات بحرفيتها المطلقة، مدعومًا بذكاء خارق وسرعة فائقة، ويعلمنا التاريخ دروسًا قاسية عن الكوارث التي تنجم عندما تتجاوز أنظمتنا قدرتنا على التنبؤ أو الاحتواء.. اليوم، يقف العالم على عتبة إبداع عقل اصطناعي أعقد بكثير، من خلال كيان يعيد صياغة رموزه الخاصة، ويعدل أهدافه، ويتفوق فكريًا على مجمل البشرية، وهنا، يجب أن ننتبه جيدًا، فقد ركزت الجهود السابقة لإدارة الذكاء الاصطناعي على مخاطر مثل التحيزات الخوارزمية، وانتهاك الخصوصية، وتأثير الآلة على سوق العمل.. صحيح أن هذه قضايا جوهرية، لكنها تغفل المخاطر النظامية الكبرى الناتجة عن صنع كيانات ذكية فائقة، وهكذا، فإن التركيز خلال السنوات الماضية كان ينصب غالباً على التطبيقات اليومية، لا على الغاية النهائية المعلنة للشركات، وهي بناء ذكاء فائق لا يمكن ترويضه أو السيطرة عليه، وهنا يكمن الخطر.

الرياض
بواسطة : admin
 0  0  8