• ×
admin

كبار السن.. والاحتياجات الاجتماعية والنفسية

كبار السن.. والاحتياجات الاجتماعية والنفسية

فاتن محمد حسين

‏صدر نظام حقوق كبير السن ورعايته في 1/6/1443هـ بقرار مجلس الوزراء رقم 292 بناء على دراسات مجلس الشورى، والذي يقضي بإعفائهم من رسوم الخدمات وحظر إدخالهم دور الرعاية الاجتماعية دون رضاهم، والجميل في النظام -كما أُعلن- أنه يهدف إلى نشر التوعية والتثقيف المجتمعي؛ ببيان حقوق كبار السن لأجل احترامهم، وتوقيرهم، وتنظيم برامج مناسبة تعزز من مهاراتهم، وممارسة هوايات تعزز من اندماجهم في المجتمع، بل وتشجيع القادرين على العمل للاستفادة من خبراتهم في مجالات متنوعة، كما يطالب بتأهيل المرافق العامة والتجارية والأحياء السكنية والبيئة لتكون ملائمة لاحتياجاتهم، ‏هذه اللفتة الكريمة من مجلس الشورى الموقر تدل على مدى اهتمام الدولة بحقوق المواطن، وخاصة كبار السن الذين شاركوا في بناء الدولة الحديثة، وحان الآن وقت رد الجميل لهم.

‏هذا المشروع الإنساني العظيم لابد أن يصل لكافة الناس، ونشر التوعية والتثقيف المجتمعي من خلال وسائل الإعلام وكتاب الرأي وغيرهم، عن أهمية اندماج كبار السن في المجتمع.

ففي الوقت الذي نجد فيه عقوقًا من البعض بآبائهم، ووضعهم في دار العجزة، نجد هناك فئة مبالغة في الحرص عليهم وفرض عزلة شبيهة بالسجن المؤبد عليهم، بحجة الخوف عليهم من العدوى، في حين من الممكن فرض إجراءات احترازية جيدة، أو الخوف من اكتشاف الناس لتراجع في ذاكرتهم.. وهذه أخطاء فادحة يرتكبها الأبناء في حق الوالدين ودون وعي في آثارها الخطيرة على صحتهم النفسية والجسدية، وهي ليست من البر.

وقد ‏قامت دراسة طبية بجامعة هارفارد بأمريكا وأثبتت أن كبار السن الذين ينخرطون في حياة اجتماعية نشطة تنخفض لديهم احتمالات تراجع الذاكرة أو خرف الشيخوخة، وقامت الدراسة بين الأعوام 1998 - 2004م ؛ حيث يعطون كبار السن قائمة بعشرة ألفاظ شائعة الاستخدام، ثم يطلب منهم تذكرها على الفور بعد 5 دقائق، كذلك تم تقدير التواصل الاجتماعي لهم بواسطة الحالة الاجتماعية والنشاطات التطوعية، واللقاء بالأهل والأقارب والجيران، فأظهرت النتائج أن كبار السن الأكثر تواصلاً بالمجتمع هم الأقل في تراجع الذاكرة بنسبة تصل إلى 50% من المسنين الأقل تواصلاً، بل إن الباحثين وجدوا أن المشاركة الاجتماعية لها آثار بالغة على صحة ورفاه الناس مدى الحياة، وهذا ما تقوم به الدولة في توفير أماكن لممارسة الرياضة، والمشي الصحي، والترفيه.. وغيرها مما يحسن من جودة الحياة.. بل أثبتت الدراسات أن المصابين بمرض السرطان عند القيام بنشاطات رياضية اجتماعية مبهجة، يقلل ذلك من تفشي المرض لديهم.

‏وإذا أردنا تحليل أسباب قلة تراجع الذاكرة عند كبار السن، المعرضون للمشاركة المجتمعية، نجد أن ذلك بسبب توفر المثيرات الحية التي تعمل كمحفزات لتنشيط الذاكرة، فليس أسعد من كبير السن أن يجلس مع رفقاء الطفولة والشباب ويستعيد معهم أجمل الذكريات، ويبدأ في سرد قصص وحكايات.. فهو يتذكر كافة التفاصيل التي تدخل السعادة على نفسه، وهذه السعادة هي جزء أساسي في صحته النفسية، وعلى العكس تماماً، فإن الوحدة والعزلة تفاقم من خطر تراجع الذاكرة، بل تصل إلى الحزن والاكتئاب بسبب نقص السيرتونين serotonin وهو هرمون السعادة.

‏إن إخفاء الحياة الاجتماعية عن كبير السن، وخاصة ما يتعلق بموت أحد من أفراد العائلة بحجة الخوف عليه من الحزن، لهي حجة أوهى من خيوط العنكبوت، فالمؤمن يصبر على البلاء، وخاصة عند موت الابن، فهو أعظم مصيبة، ويكفي أن يقول المؤمن: (الحمد لله، إنا لله وإنا إليه راجعون) ليسكن الله فؤاده؛ ففي حديث أبي موسى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا مات ولد العبد قال الله لملائكته: قبضتم ولد عبدي فلان؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟، فيقولون: حمدك، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة وسموه قصر الحمد، وفي هذا القصر ما لا عين رأت، ولا أُذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وبعد هذا الصبر على البلاء، وهو من الإيمان؛ فموت أي شخص من أفراد العائلة لن يحمل القسوة النفسية على كبير السن.. والذي من الممكن حين يزوره الناس للعزاء فيه الكثير من الارتواء النفسي من الحب، وإشعاره بأهميته، وفي هذا الكثير من الانتماء الذي يعزز ثقته بنفسه وشعوره بالسعادة، وهي من الحاجات الأساسية له، فهل يعي أولئك الأبناء معنى تلك الاحتياجات، وأنه من البر توفيرها لهم؟.

المدينة
بواسطة : admin
 0  0  78