• ×

الذكريات المؤلمة والعمر

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الذكريات المؤلمة والعمر

نجلاء محفوظ

يتجاهل البعض ذكرياتهم المؤلمة؛ ظنًا أنها ستختفي من تلقاء نفسها، ولا شيء يختفي بالتجاهل؛ "فستختبئ" وستكون كالجرح الذي لم نحسن علاجه، فلن يشفى وحده وستتكون تحته "التهابات"؛ تبدأ بسيطة ثم تنمو لتجاهل "ضرورة" العلاج وتصبح مشكلة ولو بعد حين..

الأفضل المسارعة بمواجهة ما يؤلمنا تذكره والابتعاد عن "رمي" النفس بسجن الضحية وإدمان الرثاء للنفس؛ فتقل ثقتنا بالنفس ويضعف تقدير الذات، ونلقي بأنفسنا بأيدينا في الوجع النفسي الذي يلقي بظلاله "الكئيبة" والموجعة على كل تفاصيل الحياة..
نحن في غنى عن ذلك لو "اعترفنا" لأنفسنا بأن لنا دورا "ما" في الذكريات المؤلمة؛ ولو كان بالتسرع بمنح الثقة لمن ألحقوا بنا الأذى، أو لعدم دراسة الموقف جيدا إذا كانت الذكري متعلقة بفشل بالدراسة أو بالعمل، أو لعدم سماع نصيحة "مخلصة" تنبهنا لإنهاء علاقة عاطفية أو صداقة أو "التمهل" قبل الإقدام على خطبة أو زواج أو إنهائها..

يجب ألا يرتبط معرفة دورنا بجلد الذات أو زرع قلة الحيلة داخل النفس وربما الأسوأ بأننا سنظل دوما نصنع الخسائر لأنفسنا ويجب أن يكون "بداية" للتعلم واكتساب الخبرات..

يستدعي البعض الذكريات المؤلمة أثناء فرحه أو احتفاله بأمور انتظرها؛ وكأنه "يتعمد" حرمان نفسه من الفرحة أو يخاف منها، لأنه دوما يتوقع الألم؛ ومن "يفتش" عن شيء يجده..

فلنتعلم الرحمة والرفق بالنفس ونطيل من لحظات الفرح ما استطعنا؛ ولنتدبر القول الرائع لشارلي شابلن:إذا لم تستطيع أن تضحك وتضحك لنفس النكتة فلماذا تبكي وتبكي لنفس الهم والمصاب؟!

يلعب الفراغ الدور الهائل "والخبيث" في تنشيط الذكريات المؤلمة والتهويل وتصويرها وكأنها أم الكوارث وكأننا لم نعرف لحظة فرح بحياتنا!!

يصل البعض لإدمان التفكير بالذكريات المؤلمة وكأنها "كنز" يخاف فقدانه وكأنه بهذا التذكير الدائم للنفس بها "يحمي" نفسه من تكرار الوجع؛ وكأنها نصيبه منه؛ والحقيقة أنه يضعف نفسه ويكون كمن وقع بحفرة وبدلا من المسارعة بتنظيف ملابسه وتضميد جراجه؛ إذا به يبحث عن الحفر ليلقي بنفسه بها "عامدا" ليختار "إيلام" نفسه بكامل إرادته..

نكاد نسمع من يهتف: ما هذه القسوة؟! نحن بشر ولسنا الآلات يمكن أن نتحكم بعقولنا ومشاعرنا لنتخلص من ذكرياتنا الموجعة؛ ونعترف بالضعف البشري ونحترمه ونرفض "السماح" له بالإقامة بأعمارنا والتحكم بدفة مشاعرنا وتصرفاتنا..

تنشط الذكريات "وتبهت" باختيارنا؛ فلنختر ما يضيف إلينا وإن لم ننشغل بما يجعلنا أفضل سنتراجع حتما ولا اختيار ثالث؛ فلنختر الفرح بأنها لم تكن أسوأ ونهتم بتعويض النفس والتوقف عن انتظاره من الآخرين؛ فلن يأت "لانشغال" الجميع بمحاولات مداواة جراحهم؛ فلا يوجد بشر بلا ذكريات تؤلمه..

الذكريات المؤلمة "فرصة" لإصلاح بعض العلاقات وللفوز بحياة أفضل لو "تنبهنا" لأخطائنا ولم ننكرها أو نبررها، وإن لم "ننتبه" لوجع الذكريات ونقرر الانتصار عليه "فسيتوحش" في غفلة منا ويلتهم حاضرنا وهو ما يشكل مستقبلنا..

نتجاهل -كثيرًا- أن العمر مهما طال قصير ونعادي أنفسنا بقسوة غير مبررة ونسدد الطعنات لأنفسنا بسجنها في الذكريات المؤلمة، والأسوأ من يحكي عنها "أولا" للفضفضة؛ ثم يحصل على بعض التعاطف، ولا يكتفي به ويبحث عن تعاطف أكبر وأكثر؛ فيواصل الحكي ولا ينتبه لتناقص التعاطف أو لتسابق الكثيرين لحكي ما يفوق ذكرياته ألما سواء لتجارب شخصية أو لتجارب من يعرفون أو قرأوها على وسائل التواصل الاجتماعي، فيستنفر طاقاته ليبرهن أن ألمه أكبر أو أنه لا يتحمل ما يتحمله الآخرون ببساطة..

لا أحد يتحمل ببساطة ولكن من يريد الصبر فسيصبر ومن "يختار" الشكر على ما لديه من نعم؛ تتسع حياته تدريجيًا ودومًا "يهزم" الشكر الوجع؛ فالشكر كالنور يبدد الظلام، ولا أحد حياته تخلو من النعم..

يقع البعض فريسة "سهلة" لمدمني المجاملات الذين يتعمدون المبالغة وقول كلمات مثل: كيف تتحمل حياتك القاسية؟ أو كيف واصلت حياتك بعد تجاربك المؤلمة؟ أو لو كنت جبلًا لما صمدت أمامها وما شابه، ولا يعرفون أنهم يلحقون الأذي البالغ "بمعظم" من يتلقون هذه المجاملات، والأذكي الفرح بإنتهاء التجارب المؤلمة أو أنها أصبحت أقل ألما كذكريات وفاة غالي وأننا نستطيع "إهداءه" الصدقات والدعاء له وإسعاده..

كأي عدو "لئيم"؛ تتسلل الذكريات المؤلمة إلينا وتهاجمنا حتى بأوقات الصفاء لتسرق منا الراحة ولو لبعض الوقت؛ وكأي إنسان ذكي يجب التنبه للهجوم وعدم الاستسلام له واعتبار رفض الانحناء أمامها "كرامة" وإزاحتها بحزم والقول للنفس: لا وقت لدي ولا "نية" لأهزم نفسي وسأصنع من هذه الذكريات القاسية قوة وعزيمة بعد الاستعانة بالرحمن، لتنير لي عمري ولن أوقع بنفسي في فخ الحزن وسأغلقه كما علمنا الإمام علي كرم الله وجهه وهو القائل: اغلق أبواب الحزن بالقناعة والرضا..

وقبل أن أتشاغل عنها سأذكر نفسي بالمثل اللبناني الرائع" كبرها بتكبر صغرها بتصغر"؛ وما دمت على قيد الحياة فسأتوجه لما يزيد من زهوتي الداخلية وإشراقي الداخلي والخارجي ولن "أطفئ" أيًا منهم بيدي أبدًا..وسأجعل ذكرى الألم نورًا يقويني وليس نارًا تحرقني..

الأهرام

بواسطة : admin
 0  0  20
جميع الأوقات بتوقيت جرينتش +3 ساعات. الوقت الآن هو 10:19 مساءً الثلاثاء 24 مايو 2022.