• ×
admin

لماذا يجب ألا تبرر الغاية الوسيلة؟

لماذا يجب ألا تبرر الغاية الوسيلة؟

أ. د. فهد بن مطلق العتيبي

من أقدم الأسئلة التي شغلت الفلاسفة ورجال الدين والمفكرين سؤالٌ أخلاقي عميق: هل يمكن قبول وسيلة خاطئة إذا كانت تؤدي إلى غاية نبيلة؟ وقد أكدت الفلسفات الأخلاقية والدينية أن الغاية لا تبرر الوسيلة، لأن الوسيلة ليست مجرد طريق إلى الهدف، بل هي جزء من القيمة الأخلاقية للفعل نفسه. فالإنسان يجب أن يتصرف وفق مبادئ أخلاقية ثابتة، لا وفق النتائج المتوقعة. فالصدق يبقى واجبًا حتى لو أدى إلى خسارة، والأمانة لا تصبح فضيلة إذا كانت مرتبطة بالمصلحة، لأن قيمة الفعل تكمن في احترام الواجب لا في نتائجه. وهذا بخلاف بعض المدارس النفعية التي ركزت على النتائج، ورأت أن الفعل يقاس بمقدار المنفعة التي يحققها، إلا أن هذا التصور واجه انتقادات كثيرة؛ إذ قد يفتح الباب لتبرير الكذب أو الظلم أو الاعتداء متى ادُّعي أن في ذلك منفعة عامة. وتتفق الشريعة الإسلامية مع هذا التصور الأخلاقي؛ فهي لا تقبل العمل الصالح إذا كان قائمًا على وسيلة محرمة. فلا يجوز التصدق بمال مسروق أو بناء مسجد بأموال اكتسبت بالغش أو الرشوة، لأن صلاح الغاية لا يمحو فساد الوسيلة. وقد عبّر الأدب العربي عن هذا المعنى ببلاغة في البيت المشهور:

بَنَى مَسْجِدًا لِلَّهِ مِنْ غَيْرِ حِلِّهِ

فَكَانَ بِحَمْدِ اللَّهِ غَيْرَ مُوَفَّقِ

كَمُطْعِمَةِ الْأَيْتَامِ مِنْ كَدِّ فَرْجِهَا

لَكِ الْوَيْلُ لَا تَزْنِي وَلَا تَتَصَدَّقِي

فالبيت لا يذم الصدقة ولا بناء المسجد، وإنما يرفض التناقض بين نبالة المقصد وفساد الطريق المؤدي إليه. وفي واقعنا المعاصر تتجدد هذه القضية بصور مختلفة؛ فهناك من يبرر نشر الشائعات بحجة الدفاع عن قضية عادلة، أو يقبل الغش للوصول إلى وظيفة يعتقد أنه يستحقها، أو يعتدي على الآخرين باسم تحقيق مصلحة عامة. غير أن المجتمع الذي يسمح بتبرير الوسائل الفاسدة من أجل غايات حسنة سرعان ما يفقد ثقته بالقيم، لأن كل شخص سيجد مبررًا أخلاقيًا لسلوكه.

إن الحضارات لا تُبنى بالأهداف الجميلة وحدها، بل تُبنى أيضًا بنزاهة الطرق المؤدية إليها، فالوسيلة الأخلاقية تمنح الغاية مشروعيتها، بينما تؤدي الوسيلة الفاسدة إلى تشويه الهدف مهما بدا نبيلًا. ولهذا فإن أعظم إنجاز يمكن أن يحققه الإنسان ليس مجرد الوصول إلى غايته، وإنما الوصول إليها بشرف وعدالة واستقامة. وبالتالي فإن أخطر ما يواجه المجتمعات المعاصرة ليس اختلاف الغايات، بل التساهل في الوسائل، فعندما تصبح الوسيلة أمرًا ثانويًا، تتحول القيم إلى شعارات، ويصبح من السهل تبرير أي تجاوز باسم المصلحة، أما المجتمع الذي يحافظ على أخلاق الوسيلة، فإنه يحافظ في الوقت نفسه على عدالة الغاية.

الرياض
بواسطة : admin
 0  0  1