الطائف في موسم الحج
الطائف في موسم الحج
أ. د. عبدالرحمن سعد العرابي
ونحنُ نستنشقُ عبقَ موسم الحجِّ لهذا العام 1447هـ/ 2026م تأتي الطَّائفُ في عمقِ الموسم تاريخيًّا وهو ما قد يستغربه البعضُ، فأين هي من المشاعر المقدَّسة وجنباتها؟ لكنَّ التاريخ يحكي لنَا قصصًا وأحداثًا وحِراكًا تنمويًّا كبيرًا كانت تشهده الطَّائفُ قبل أيام الحجِّ وبعدهَا.
كانت الطَّائفُ محطَّةً كُبْرى لقوافل الحجِّ البريَّة، تأتيها من الشمال من بلاد الشام، سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، ومن العراق، ومن إيران وأفغانستان وباكستان وتركيا، ومن الجنوب من اليمن. وتتحوَّل الطَّائفُ إلى مدينة حجَّاج بكلِّ ما تعنيه الكلمة من معنى.
كانت حافلاتُ الحجَّاج -وأغلبها على مستوى عالِ من الفخامةِ والطرازِ- تقفُ في منطقة شُبرا، يُسمِّيها أهلُ الطَّائفِ (الرُكبان). تتحوَّل المنطقة إلى سوق تجاريَّة كُبرى تشبه المعارض العالميَّة الحديثة، حيث يعرضُ الحجَّاجُ ما لديهم من بضائعَ وخيراتِ بلادهم. منها السجَّاد العجميُّ والأفغانيُّ والتركيُّ، ومنها الفواكه المجفَّفة، وبعض من أدوات منزليَّة، أطقم سُفرة، من صحون وغيرها بنقوشٍ ورسومٍ خاصَّة بتلك البلدان.
وكانت تلك السوقُ تشهدُ إقبالًا كبيرًا، ليس فقط من أهل الطَّائفِ وسكَّانها، بل ممَّن يقدمُون عليها من مناطق جنوب الطَّائف حتَّى عسير؛ لشراء التُّحف والسجَّاد، وقد حدَّثني أحدُ الزُّملاء وهو من أبها عسير كيف كانَ والده -رحمه الله- يُسافرُ إلى الطَّائفِ، خلال تلك الأيام؛ لشراء السجَّاد العجميِّ، وهم حتى يوم حديثه كمَا يقولُ يملكُون ما اشتراهُ والدُهم تُزيِّن مجالسهم وخاصَّةً مجالس الضيوف.
لم تكن فقط منطقة الرُكبان وحدها تشهد حركةَ حجَّاجِ البر، كما كانُوا يُسمونَ، بل مختلف مناشط الحياة في الطَّائفِ، فالمطاعم والأسواق في نشاط متزايد أثناء وجود الحجَّاج في الطَّائفِ. ومن أحد الأماكن المفضَّلة للحجَّاج حمام الشفا التركي، في حارة السليمانيَّة، وكان يملكهُ الشيخُ حسن سمسم، وكما أبلغني البروفيسور سليمان آل كمال، فقد بناه محتسبُ الطَّائفِ أحمد خيري، خلال فترة الوجود العثمانيِّ في الحجاز، حيث تمتلئ البرحة التي أمامه بالحجَّاج، وكان الحمَّام يتزوَّد بالماء من البئرِ التي به.
كان ذلك الحِراكُ وما يحدثه وجود حجَّاج البرِّ من نشاط في الطَّائفِ ليس فقط مقتصرًا على شهر ذي القعدة السَّابق للحجِّ، بل وبعد أداء الحجَّاج مناسك الحجِّ يعودُونَ إلى الطَّائفِ في طريق عودتهم إلى بلدانهم. وهذا التاريخ لما كانت تشهده الطَّائفُ خلال موسم الحجِّ يدفعني إلى الدَّعوة بإعادة إحياء مكانة الطَّائفِ كرديفٍ لمكَّة المكرَّمة -شرَّفها اللهُ- بتحويل مطارها إلى دوليٍّ يستقبلُ الحجَّاج، وتوفير الخدمات اللَّازمة لهم للبقاء في الطَّائفِ فترةً، ثمَّ إكمال سيرهم إلى المشاعر المقدَّسة، ولضمان تخفيف الكثافة على منشآت مكَّة ومرافقها.
المدينة
أ. د. عبدالرحمن سعد العرابي
ونحنُ نستنشقُ عبقَ موسم الحجِّ لهذا العام 1447هـ/ 2026م تأتي الطَّائفُ في عمقِ الموسم تاريخيًّا وهو ما قد يستغربه البعضُ، فأين هي من المشاعر المقدَّسة وجنباتها؟ لكنَّ التاريخ يحكي لنَا قصصًا وأحداثًا وحِراكًا تنمويًّا كبيرًا كانت تشهده الطَّائفُ قبل أيام الحجِّ وبعدهَا.
كانت الطَّائفُ محطَّةً كُبْرى لقوافل الحجِّ البريَّة، تأتيها من الشمال من بلاد الشام، سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، ومن العراق، ومن إيران وأفغانستان وباكستان وتركيا، ومن الجنوب من اليمن. وتتحوَّل الطَّائفُ إلى مدينة حجَّاج بكلِّ ما تعنيه الكلمة من معنى.
كانت حافلاتُ الحجَّاج -وأغلبها على مستوى عالِ من الفخامةِ والطرازِ- تقفُ في منطقة شُبرا، يُسمِّيها أهلُ الطَّائفِ (الرُكبان). تتحوَّل المنطقة إلى سوق تجاريَّة كُبرى تشبه المعارض العالميَّة الحديثة، حيث يعرضُ الحجَّاجُ ما لديهم من بضائعَ وخيراتِ بلادهم. منها السجَّاد العجميُّ والأفغانيُّ والتركيُّ، ومنها الفواكه المجفَّفة، وبعض من أدوات منزليَّة، أطقم سُفرة، من صحون وغيرها بنقوشٍ ورسومٍ خاصَّة بتلك البلدان.
وكانت تلك السوقُ تشهدُ إقبالًا كبيرًا، ليس فقط من أهل الطَّائفِ وسكَّانها، بل ممَّن يقدمُون عليها من مناطق جنوب الطَّائف حتَّى عسير؛ لشراء التُّحف والسجَّاد، وقد حدَّثني أحدُ الزُّملاء وهو من أبها عسير كيف كانَ والده -رحمه الله- يُسافرُ إلى الطَّائفِ، خلال تلك الأيام؛ لشراء السجَّاد العجميِّ، وهم حتى يوم حديثه كمَا يقولُ يملكُون ما اشتراهُ والدُهم تُزيِّن مجالسهم وخاصَّةً مجالس الضيوف.
لم تكن فقط منطقة الرُكبان وحدها تشهد حركةَ حجَّاجِ البر، كما كانُوا يُسمونَ، بل مختلف مناشط الحياة في الطَّائفِ، فالمطاعم والأسواق في نشاط متزايد أثناء وجود الحجَّاج في الطَّائفِ. ومن أحد الأماكن المفضَّلة للحجَّاج حمام الشفا التركي، في حارة السليمانيَّة، وكان يملكهُ الشيخُ حسن سمسم، وكما أبلغني البروفيسور سليمان آل كمال، فقد بناه محتسبُ الطَّائفِ أحمد خيري، خلال فترة الوجود العثمانيِّ في الحجاز، حيث تمتلئ البرحة التي أمامه بالحجَّاج، وكان الحمَّام يتزوَّد بالماء من البئرِ التي به.
كان ذلك الحِراكُ وما يحدثه وجود حجَّاج البرِّ من نشاط في الطَّائفِ ليس فقط مقتصرًا على شهر ذي القعدة السَّابق للحجِّ، بل وبعد أداء الحجَّاج مناسك الحجِّ يعودُونَ إلى الطَّائفِ في طريق عودتهم إلى بلدانهم. وهذا التاريخ لما كانت تشهده الطَّائفُ خلال موسم الحجِّ يدفعني إلى الدَّعوة بإعادة إحياء مكانة الطَّائفِ كرديفٍ لمكَّة المكرَّمة -شرَّفها اللهُ- بتحويل مطارها إلى دوليٍّ يستقبلُ الحجَّاج، وتوفير الخدمات اللَّازمة لهم للبقاء في الطَّائفِ فترةً، ثمَّ إكمال سيرهم إلى المشاعر المقدَّسة، ولضمان تخفيف الكثافة على منشآت مكَّة ومرافقها.
المدينة