• ×

التهاب القولون الغشائي الكاذب!!

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
التهاب القولون الغشائي الكاذب!!
استئصال الجزء المصاب من القولون قد يكون الخيار الوحيد أحياناً

إعداد: أ.د. أحمد الزبيدي

في كل مرة تصاب أم محمد مثلها مثل غيرها بنزلة صحية مع درجة حرارة طفيفة تهرع إما إلى الطبيب أو إلى الصيدلي مطالبة بإعطائها مضاداً حيوياً يساعده على الشفاء مما ألم به حتى وإن لم يكن ما به لا يحتاج للمضاد الحيوي. دأبت سيدتنا الفاضلة على الاتصال بي في بوادر كل وعكة صحية تسألني وتستجوبني عنما ألما بها وما هو المضاد الحيوي المناسب الذي أن تأخذه لها أو لأحد أفراد أسرتها. وفي كل مرة عبثاً أحاول بعد الاستماع لشكواها إقناعها أن ما بها لا يتطلب العلاج بالمضادات الحيوية وإنما قليل من السوائل الدافئة والاستكنان وأخذ الراحة بالمنزل هو ما تحتاجه الحالة. وفي كل مرة تضرب أم محمد بكلامي عرض الحائط وتذهب لمن يعطيها طلبها. وفي مساء شتاء قارس من ليالي برد الصحراء وأثناء تسامري مع زوجتي وأبنائي تذكرت أم محمد ولأنها لم تتصل لمدة طويلة سألت زوجتي عنها فقالت لي أنها سمعت من أختها أنها بعد آخر مرة اتصلت بي سائلةً عن المضاد الحيوي المناسب لألمٍ بإذنها وأنها عندما لم تأخذ مني اسم دواء معين ذهبت لأقرب صيدلية وأخذت مضاداً حيوياً بقوة 500 مليجرام لمدة أسبوع ولكن هذه المرة لم تكن ككل مرة. فقد أصيبت أم محمد بإسهال شديد مع ألم بالبطن تصاحبه حرارة مرتفعة مع هزال شديد وعدم مقدرة على الحركة. مما جعل زوجها يأخذها للمستشفى وعندما عاينها الطبيب أمر بإدخالها للمستشفى ووضعها تحت المراقبة مع أخذ عينات وتحاليل لكل من الدم والبراز. لم تتحسن حالة أم محمد مع مرور الأيام قام الطبيب بعمل منظار للقولون وفحصه وأخذ عينات منه اتضح منها أنها تعاني مما يسمى التهاب القولون الغشائي الكاذب وهو التهاب بكتيري حاد جدًا بسبب آخر مضاد حيوي أخذته. قام الطبيب بعدها بوصف العلاج المناسب لها إلا أنها لم تتحسن بل بالعكس تدهور وضعها وأخذ قولونها في التمدد بشكل مخيف جدا. ازداد الحال سوءاً مما حدا بالأطباء إدخالها لغرفة العناية المركزة. أَجبرَ هذا الأمر الأطباء على أخذها لغرفة العمليات لاستئصال كل القولون وعمل كيس جانبي مؤقت لها. فماذا حدث لأم محمد .... ؟!.

يعتبر إلتهاب القولون الغشائي الكاذب (Pseudomembranous colitis)، أحد مسببات الإسهال الناتج من استخدام المضادات الحيوية في الغالب وليس دائماً، وهي عبارة عن التهاب القولون. يحدث هذا الالتهاب بسبب بكتيريا عصوية حمراء اللون تشبه في شكلها مضرب التنس. تصيب العدوى بها مئات الآلاف من المرضى في العالم كل سنة. لا يصابُ النّاس الّذين يتمتّعون بصحّةٍ جيّدةٍ بهذا المرض. إلا أنّ جميع النّاس -بما فيهم الأطفال من الممكن أن يتعرّضوا للإصابة به إذا كانوا يعانون من مرضٍ يتطلّب تناولَ المضادات الحيويّة لفترةٍ طويلةٍ أو كانوا على شاكلة أم محمد التي تستخدم المضادات الحيوية بسبب وبدون سبب أو عند الإصابة بمرضٍ كامنٍ خطير أو أن يكون الجّهاز المناعي ضعيفاً كنتيجةٍ لحالةٍ طبيّةٍ أو علاج (كالعلاج الكيميائي) أو يكون كان المرء قد خضع لجراحةٍ في البطن أو إجراءٍ مَعِدي معوي. كما أنّ هذا المرض يمكن أن ينتشر في المستشفيات على نحوٍ متزايد. والمسنّون ممن تجاوز الخامسة والستين خريفاً مُعرّضون للخطر بشكل أكبر.
إن استخدام أدوية مثل كليندامايسن أو سيفالوسبورين أو أدوية مشابهة للبنسلين مثل أموكسيسيلين، يؤدي إلى إنقاص مجموعة البكتيريا الطبيعية المفيدة التي تعيش بشكل طبيعي في القولون. اي ان المضادات الحيوية تميت الكثير من البكتيريا، فالبكتيريا المتبقية لن يكون لديها الكثير من البكتيريا الأخرى المنافسة على الغذاء والمكان، مما يؤدي إلى نمو البكتيريا الضاره المتبقية بصورة أكثر من اللازم، وهذه البكتيريا العصوية هي أحد البكتيريا التي تبقى وتنمو وتقوم بإفراز السموم.

تظهر علامة الإصابة بالمرض عادةً خلال مدّة تناول المضّادات الحيويّة أو بعد التّوقّف عن تناولها بمدّةٍ قصيرة وقد لا تظهر الأعراض في بعض الأحيان إلا بعد مرور أسابيع أو أشهر على ذلك. من أهم اعراض هذه العدوى العصوية إسهال مائي غير دموي ذو رائحة كريهة يتبرّز الإنسان فيه المرء ثلاث مرّاتٍ أو أكثر في اليوم لمدّة يومين أو أكثر. وقد يلاحظ المريض بعض الدم مع الإسهال خاصة إذا كان يتعاطى مضاد تخثر أو لديه أية حالات مرضية في المستقيم مثل البواسير. يصاحب هذا الاسهال عادة تقلّصات وألم خفيف في البطن لكن من الممكن أن تزداد حدته حسب شدة الالتهاب، مع وجود أعراض أخرى مثل الحرارة والإعياء وفقدان الشهية، والتي تعتبر من أهم ما يميز الإصابة بهذا الالتهاب القولوني الغشائي الكاذب عن حالات الإسهال المتعلق بالمضادات الحوية الأخرى.

عند ازدياد شدة المرض، تُلْهِب البكتيريا العصوية غشاء القولون المبطن على شكّل بقعاً من الأنسجة التي تنسلخ من الداخل مؤدية الى حدوث نزيف وخروج القيح منها، وعندها يشتد الإسهال المائي ليصبح 10 الى 15 مرّة يوميّاً. كما تزداد تقلّصات وألم في البطن وحمى حادةً. يعاني المريض معها من غثيان وجفاف. يفقد المرض مع هذا شّهيّة الأكل مما يؤدي الى فقدان الوزن. وعند ازدياد شدة المرض وسُمية الالتهاب قد يحدث تضخم سمي في القولون (وهذه خطيرة) قد تودي بحياة المريض.

إنّ الخطوة الاولى لعلاج الإصابة بهذا الداء هي التّوقّف عن تناول المضاد الحيوي الذي أثار الإلتهاب، وبالنّسبة للإصابة الخفيفة فقد يكون ذلك كافياً لتخفيف الأعراض، إلا أنّ العديد من الأشخاص يحتاجون إلى المزيد من العلاج. فيجب على المرء رؤية الطّبيب عند استمرار الأعراض لأكثر من ثلاثة أيّامٍ أو إذا كان يعاني من الحمّى أو ألم شديد أو تقلّصات شديدة أو إذا كان هنالك دم في برازه أو إذا اضطّرّ للتّبرّز لأكثر من ثلاث مرّاتٍ في اليوم.

من المدهش أنّ العلاج الأمثل للإصابة بهذه البكتيريا هو تناول مضادٍ حيوي آخر، عادةً ما يكون دواء الفلاجيل للحالات الخفيفة والمتوسّطة، ودواء الفانكوميسين عند ظهور الأعراض الشّديدة، تقتل هذه المضادات البكتيريا السيئة وتحد من نموها فتساعد البكتيريا الطّبيعيّة على النمو والإزدهار مجدّداً في الأمعاء مما يعيد التوازان البيئي البكتيري داخل القولون وبقية الجهاز الهضمي. وأحيانا قد يضطر الطبيب إلى الاستعجال بإعادة التّوازن الصّحّي إلى الأمعاء وذلك عن طريق إعطاء المريض مادة البروبيوتيك (عبارة عن كائناتٌ حيّة (كالبكتيريا والخمائر) والتي قد تمّ إثبات فاعليتها عند استعمالها بالمشاركة مع المضادّات الحيويّة في المساعدة على منع حدوث الإصابة بالبكتيريا العصوية مجدّداً. وعند أشداد المريض أو تطور الحالة إلى تمدد قولوني سميّ (الألم الشّديد، انتفاخ في البطن، حمى عالية، أو فشل الأعضاء أو التهاب بطانة جدار البطن) كما حدث لصديقة العائلة أم محمد فإن استئصال الجّزء المصاب من القولون قد يكون الخيار الوحيد المتاح.

إن تجنبكم أخي القارئ وأختي القارئة لاستخدام المضادات الحيوية إلا عند الضرورة سيجنبك بإذن الإصابة من هذا المرض المقيت. فيجب ألا تتناول المضادات الحيوية لعلاج الأمراض الفيروسية التي لم يتم علاجها بهذه الأدوية. كل ما عليك هو الصبر وأخذ موقف الانتظار والترقب مع الأمراض البسيطة إلى أن يشفيكم الله منها، أو قم بزيارة الطبيب الذي سيجد لك العلاج الآمن المناسب للوعكة الصحية. وتذكروا أن الوقاية خير من العلاج فعند زيارتكم لمريض في المستشفى غسلوا اليدين جيدًا بالماء الدافئ والصابون قبل وبعد مغادرة الغرفة أو استخدام الحمام.

الرياض

بواسطة : admin
 0  0  4114