• ×

«المشي» في مقولات تُلخِّص الفلسفات

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
«المشي» في مقولات تُلخِّص الفلسفات

أحمد عبدالرحمن العرفج

المَشي، ظَاهِرَة استَوقَفَت الكُتَّاب والفَلَاسِفَة، والحُكَمَاء والشُّعرَاء، لِذَلك لَا تَستَغرب ولَا تَتعجَّب؛ أَنْ تَجد كُتباً تَتحدَّث عَن المَشي بحَدِّ ذَاتهِ، ولَعلَّ أَقرَب الكُتب سَاعة كِتَابة هَذا المَقَال، كِتَاب: «فَلسفة المَشي»، لمُدرِّس الفَلسَفَة الفَرنسي «فردريك كرو»، لِذَلك دَعونَا اليَوم نَلتَقط أَبرَز مَا جَاء فِي الكِتَاب:

* يَنفِي الفَيلسوف «كرو» صِفة الرِّيَاضَة عَن «المَشي»، حَيثُ يَقول: (إنَّ المَشي لَيس رِيَاضَة بَل مُمَارَسَة، فالرِّيَاضَة تَتطلَّب الالتزَام بقَواعِد أَخلَاقيَّة مُعيَّنة، وتَتطلَّب -أَيضاً- بَذْل جُهد مُحدَّد، ولَكن مُمَارسة المَشي أَمرٌ مُختَلِف، فهي الطَّريقَة الأَفضَل لأنْ نُبطئ مِن تَسَارُع حَيَاتنَا العَصريَّة، التي عَلَى مَن يَودُّ مُجَارَاتهَا، الانشغَال مَثلاً بقيَادة سيَّارة سَريعَة، أَو طَائِرَة، ولَيس المَشي)..!

* كَمَا أَنَّ «كرو» يَعتبر المَشي؛ نَوعاً مِن الهرُوب إلَى الحُريَّة، حَيثُ يَقول: (إنَّ المَشي هو هرُوبٌ مِن الهَويَّة، ونَوعٌ مِن الصَّفَاء النَّفسي، الذي يَأتي مِن اتِّبَاع دَرب مَا، وهو نَوعٌ مِن العَيش لسَاعَاتٍ مَع النَّفس، وكَثيراً مَا كَان الفَلَاسِفَة مُشَاة عُظمَاء، فالمَشي يَوميًّا، لَيس فَقط عَامِلاً للابتعَاد عَن مَوقع؛ أَو مَكَان العَمَل، بَل أَيضاً أَمر جَوهري، لأنَّه يَقوم بتَحريرنا مِن فَضَاء أَو مَكَان العَمَل، ومِن تَسَارُع نَبض الحيَاة)..!

* ويَعتبر الفَيلسوف «كرو» المَشي دَافِعاً للنِّسيَان، مُشيراً إلَى أَنَّ سُكَّان المُدن؛ مَحرُومُون مِن فَضَائِل المَشي، حَيثُ يَقول: (إنَّ التِّكرَار فِي المَشي؛ يُعطي الدَّافِع لأنْ نَنسَى أمُوراً غَير مُهمّة، ولَكنَّها تُشغلنا، والأَفضَل نسيَانهَا، والانشغَال عَنهَا بالتَّفكير الإيجَابي، وسُكَّان المُدن الكَبيرة -فِي الغَرب بالذَّات- يُعتَبَر المَشي بالنِّسبَةِ لَهم؛ نَوعاً مِن التَّرَف، الذي لَيس بمُتنَاول الكَثيرين مِنهم)..!

* ويَربُط «كرو»، بَين مَسَافة المَشي وعُمق الفِكرَة، التي تَتَوَلَّد أَثنَاء المَشي، حَيثُ يَقول: (إنْ بِضع خُطوَات، لَا يَنتُج عَنهَا طَريق، كَمَا أَنَّ التَّفكير القَصير؛ لَا يَخلق فِكرَة، وبالتَّالِي، نَحنُ بحَاجةٍ إلَى أَنْ نَسير مَسَافَة أَطوَل؛ لنُفكِّر لفَترةٍ أَطوَل)..!

* ويُورد «كرو»؛ عَنَاوين كُتب وروَايَات، لشَخصيَّاتٍ شَهيرَة، أَجَادُوا حَبكتهَا أَثنَاء المَشي، مِنهم: (النَّحَّات الشَّهير Constantin Brancusi، الذي سَار لمَسَافَاتٍ طَويلَة، والرّوَائِي المَعروف Patrick Leigh Fermor

، الذي كَتَبَ عِدّة مُجلَّدَات عَن التِّرحَال، عِندَما كَوَّن أَفكَارهَا، وهو يَقطَع المَسَافَة بَين مَدينته الصَّغيرَة فِي هُولندَا، ومَدينة إسطَنبول التّركيَّة، كَمَا أَنَّ الكَاتِب البريطَاني الشَّهير «جورج أورويل»؛ والاقتصَادي «نسيم طالب»؛ ممَّن استَلهمَا الكَثير مِن أَفكَارِهمَا؛ أَثنَاء مَشيهمَا)..!

* لَكن الفَيلسوف «كرو»؛ لَم يَحصُر المَشي فِي فَئِةِ الأُدبَاء والمُثقَّفين، والحُكمَاء والفَلَاسِفَة، حَيثُ يَقول: (إنَّنَا لَسنَا بحَاجةٍ لأَنْ نَكون عَبَاقِرَة، أَو مُؤلِّفين كِباراً، لكَي نَمشِي، فالسَّعي لأَنْ نَمشي لغَيرِ هَدفٍ، أَمرٌ مُهمّ جِدًّا، وقد أَثبَتَت تَجَارب عِلميَّة؛ أَنَّ المَشي عَلَى الآلَة، يُمكن أَن يُحسِّن التَّفكير الخَلَّاق، وأَنَّ كَثيرين يَعتَقدون؛ أنَّ بَقَاءَهم خَلف مَكَاتبهم، سَوف يُمكِّنهم مِن حَلِ مَا قَد يُواجههم مِن مُعضلَات، ولَكن الحَقيقَة، أَنَّ الخرُوج مِن مُحيط المَكتَب، والسّير لغَيرِ هَدفٍ، يُساعِدَان أَكثَر في إيجَاد الحَلّ لِمَا يَشغلنَا)..!

حَسنًا.. مَاذَا بَقي؟!

بَقي القَول: لفَيلسوفنَا «كرو» نَصيحَة مُهمَّة للمَشي، حَيثُ يَقول: (إنَّ مُمَارَسة المَشي عَلَى انفرَاد، أَو مَع شَخصٍ آخَر، أَفضَل مِن المَشي فِي مَجمُوعَات، فالضَّوضَاء التي يَخلقهَا الجَمْع الكَبير، تَكون آثَارهَا سَلبيَّة عَلَى التَّفكير عَادَةً)..!!

المدينة

بواسطة : admin
 0  0  15