• ×

الطاقة النووية بوابة المملكة لاستدامة النمو الاقتصادي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
الطاقة النووية بوابة المملكة لاستدامة النمو الاقتصادي

د. ملك طلال النوري

مع حقيقة أن المملكة هي المنتج الأكبر للنفط في المنطقة، وأنها أيضاً المستهلك الأكبر لمصادر الطاقة كذلك، ولتوفير الطلب الداخلي المتزايد على الطاقة، تبدو السعودية عازمة على التحول إلى إنتاج الطاقة النووية والمتجددة كمصدر للطاقة المستدامة، التي ستساهم في دفع مسيرة المملكة نحو تحقيق أهدافها الطموحة في ظل رؤية 2030.

ومع استهلاك المملكة الحالي لما يفوق 268 بليون طن من النفط المكافئ وهو ما يقارب ربع إنتاجها النفطي لتشغيل محطاتها لإنتاج الكهرباء ولاستهلاك الطاقة المحلي، تأتي تقديرات الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن الاستهلاك المحلي قد يتخطى معظم إنتاج المملكة من النفط العام 2030م، ذلك إن لم تجد لنفسها خيارات أخرى بديلة للطاقة، وهو بالفعل ما تقدم عليه السعودية نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي في الطاقة النووية، حيث تخطط اليوم إلى بناء مفاعلين نوويين كجزء من خطتها الاستراتيجية الهادفة إلى بناء 16 محطة للطاقة النووية خلال السنوات العشرين أو الخمسة وعشرين القادمة بتكلفة تصل إلى 80 مليار دولار، مما سيجنبها الاعتماد الكلي على النفط، وتفادي مخاطر تقلبات الأسعار المرتبطة بهذا المصدر التي ما زالت، إلى اليوم، تهزّ الأسواق العالمية.

وقد يرى البعض أن التوجه الحالي في بعض الدول يتمحور حول إغلاق محطاتها النووية والبحث عن مصادر طاقة بديلة وخاصة الطاقة النظيفة، ولكن من المهم أن ندرك أن تلك الدول حققت في الأصل اكتفاءها الذاتي من الطاقة المتجددة كما أنها تمتلك الموارد والمعرفة والتكنولوجيا التي تضعها في مكانة تسمح لها بإيجاد البدائل التي تحل محل الطاقة النووية، كما أن تلك الدول لا تمر بمرحلة نمو اقتصادي وسكاني متسارعة مماثلة لما يحدث في المملكة العربية السعودية ودول المنطقة اليوم.

وعلى الرغم من أن المملكة تنعم بأشعة الشمس على مدار السنة، مما قد يجعل الطاقة الشمسية خياراً قابلاً للتطبيق يتناسب مع خططها لتنويع مصادر الطاقة، ومع أن هذا المصدر للطاقة، الذي قد يبدو جذاباً، إلا أن له تحدياته الخاصة التي يمكن أن تقوض من فعاليته بشكل كبير، مثل تقلبات الطقس والعواصف الترابية والرطوبة، وهنا تبرز الطاقة النووية كخيار أنسب لحالة المملكة، فهي المصدر القادر على تلبية احتياجاتها من الطاقة لمدة تتراوح من 50 إلى 60 عاماً من دون توقف، ولكن ذلك سيتطلب بالتأكيد ضخ استثمارات مستدامة، بحيث تكون قادرة في نهاية المطاف على استرجاعها تلقائياً لتحقيق المعادلة الاستراتيجية.

لاشك أن المملكة أصبحت أكثر انفتاحاً لاستقطاب الاستثمار الأجنبي، وفي إطار تحفيز الاستثمار في الطاقة النووية، الذي يعتبر من الاستثمارات النوعية، من الأهمية بمكان إيجاد نظام استثماري متكامل تستفيد فيه المملكة من موقعها الاستراتيجي ومواردها الطبيعية لتقدم التسهيلات التي يمكن أن تجتذب شركات عملاقة للاستثمار في هذا المجال، وبالتزامن أيضاً، وعلى نفس القدر من الأهمية، تأتي ضرورة وضع الأطر التنظيمية والتشريعات القانونية المنظّمة، بما يتطابق مع أفضل الممارسات الدولية في معايير الأمان والسلامة والشفافية، بالإضافة إلى تصميم منصات تعليمية وتثقيفيّة وتدريبيّة لضمان برنامج آمن ومستدام للطاقة النووية في المملكة.

وبهذه الصورة تكون المملكة قادرة على تحقيق الكثير من الفوائد الاقتصادية والاجتماعية عبر تبنيها للطاقة النووية خياراً استراتيجياً لتنويع مصادر الطاقة، وتلبية الطلب الداخل المتنامي، وتأمين متطلبات الطاقة في المستقبل. فبالإضافة إلى دعم النمو الاقتصادي بشكل مباشر من خلال تطوير الصناعات المحلية سواء من خلال توريد المواد لتطوير وإنشاء المحطات النووية وتشغيلها في المستقبل، فضلاً عن توفير الفرص الوظيفية العديدة على مدى العقود المقبلة للكوادر الوطنية، والخبرات المميّزة التي ستوفرها هذه الصناعة، وفي الوقت الحالي، يمكن للمملكة العربية السعودية أن تطّلع على تجارب الدول التي قد وضعت الأطر التنظيمية الناجحة، كدول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية وروسيا.

الرياض

بواسطة : admin
 0  0  13