• ×

حوار مع البروفيسور زهير أحمد السباعي

زيادة حجم الخط مسح إنقاص حجم الخط
حوار مع البروفيسور زهير أحمد السباعي


بدر الغانمي

لا أشك مطلقا في أن كل إجابة هادئة قالها البروفيسور زهير السباعي في حواري معه تحمل في طياتها رسائل مباشرة، ومضامين عاصفة، وتعبيرا عن مرارة مايحدث في نظامنا الصحي الجديد الذي يتكئ حسب وصفه على إرث ( ماوجدنا عليه آباءنا ) من المركزية الشديدة التي عطلت كل شيء .. وعندما يتحدث ابن شيخ الصحافيين المرحوم أحمد السباعي برصيد خبراته وتعليمه العالي على مدى نصف قرن من الممارسة العملية لمهنة الطب ودراسة تجارب الآخرين في التخطيط الصحي، فإن لكلامه قيمة ولملاحظاته علامات استفهام تحتاج إلى إجابة ورجع صدى .. لا أنكر أنني وجهت الحوار بعيدا عن الشخصنة وحاولت قدر المستطاع أن لايرتدي ضيفي جلباب أبيه في كل سؤال.. حذر من النتائج الكارثية المتوقعة لجيل يعيش حالة انفصام بين تعليم وواقع صحي لايلتقيان أبدا .. طالب بإلغاء السجون وتغيير أسلوب التعامل مع السجناء، وكشف سوءة بعض أطباء القطاع الخاص وتحايلهم لتجديد الرخص الطبية .. وعبر عن أسفه للإثارة الصحفية التي تبناها محمد رضا نصر الله واتهامه لهم بالتفريط في تاريخ والدهم الأدبي، ودوره التنويري موضحا بأنه شخصيا يبر والده بطريقته الخاصة .. خريج مدرسة العقاد جدد دفاعه عن مشروع تعليم الطب باللغة العربية الذي يرفضه الكثيرون، وتساءل متهكما بعد أكثر من خمسين عاما على مشاركته في حرب 56 . مازلت حتى اليوم أبحث عن طائرة واحدة للعدو أسقطت في أرض مصر فلا أجدها.
تزامن قدومي إلى الحياة في الرابع والعشرين من محرم عام 1357هـ الموافق للخامس عشر من مارس عام 1939م مع بداية الحرب العالمية الثانية وكان والدي رحمه الله في تلك الفترة رئيسا لتحرير جريدة صوت الحجاز، وقد سبقني إلى الدنيا ابنتان وصبي هو أخي أسامة. جميعهم إخوتي من أبي الذي تزوج ثلاث نساء قبل أمي وكانت أمي الأخيرة رحمهم الله جميعا. وقد نشأت ضعيفا هزيلا ولا يكاد يفارقني ( البخنق ) وهو غطاء يلف الرأس والرقبة، ولم يكن في مكة ذلك الوقت علاج إلا في مستشفى أجياد والتكية المصرية، ولم يكن بينهم طبيب سعودي واحد وتمارس فيها كل ألوان الطب الشعبي من كي وحجامة ورقية وأعشاب طبية.
أعترف أن حزم أبي علي كان أكبر من تدليل أمي لي، لكنه لم يكن قاسيا وظلت صورته غائبة عن طفولتي الأولى لانشغاله بعمله في جريدة صوت الحجاز ومفتشا في وزارة المالية ومطوفا كثير الترحال إلى مصر، لكنني تشربت من مكتبته الحافلة بنزعة القراءة فأصبحت ( دودة كتب ) وقد غذى في وأخي أسامة حب الكتاب بتوفيره حصالات من صناديق صغيرة ندخر فيها قرشا أوقرشين ونصرفها في نهاية الشهر في شراء الكتب. من الحق أن أقول إنه رحمه الله كان حريصا على اهتمامنا بالقراءة أكثر من واجباتنا المدرسية، ولعله أحب أن يورثنا تجربته فهو لم يحصل إلا على الشهادة الابتدائية لكنه ربى نفسه على القراءة الحرة، ولم يكن يتردد في إعطائنا مايزيد على مصروفنا اليومي من أجل شراء كتاب جديد فقط .المرة الوحيدة التي لم يشجعني فيها على شراء كتاب عندما عرف أنه ( بدائع الزهور في وقائع الدهور ) لما فيه من خزعبلات ودجل فعذرته على ذلك، واستطعت مع نهاية المرحلة الابتدائية قراءة روايات تاريخ الإسلام لجورجي زيدان وكتب البطولات الأسطورية لعنترة بن شداد وسيف بن ذي يزن والأميرة ذات الهمة وغيرها، لا أنسى أنه ربانا على أن نعتز بكرامتنا أمام الآخرين، وأن لاينام أحدنا بالليل وعليه شيء من حقوق الناس، كما علمنا أن الحياة لاتعطي كل شيء حتى لوكان عندك كل شيء، واستطاع أن يربط بيني وأخي أسامة مع أننا من زوجتين مختلفتين برباط المحبة لدرجة أنه إذا أخطأ أحدنا وأراد أن يعاقبه انتظر حتى يخطئ الثاني فيجمعنا مع بعض ويعاقبنا سوية.

عاصرت مرحلة لم يكن فيها أمام طالب الثانوية إلا طريق الابتعاث إلى مصر ،والكل توقع أن تتأثر بمدرسة الوالد الأدبية، فكيف انحرفت بك البوصلة إلى الطب؟
في البداية كانت ميولي أدبية بحتة حتى مرحلة الصبا، ولم يكن أمامي خيار في الثانوية إلا الانضمام إلى زملائي بعد التحاقهم بالقسم العلمي في مدرسة تحضير البعثات، ولا أخفيك أن للقراءة دورا كبيرا في توجيهي نحو الطب فقد تأثرت بقراءة أحد الكتب عن قصة طبيب يهب نفسه لمكافحة الأمراض، متفرغا لبحوثه في ميدان الطب الوقائي ومقاوما لضغوط تنصب عليه من أسرته وأصدقائه في أن يمارس العمل في عيادة خاصة فكانت النتيجة أنني اتجهت لنفس التخصص وتمنيت أن أكون مثل ذلك الطبيب، وبعد نجاحي في السنة الإعدادية الأولى التي عادة مايكون نجاح المبتعثين السعوديين فيها قليلا جدا، ذهبت إلى والدي وأخبرته أنني أقرأ كتابا واحدا خارج منهج كلية الطب، وهذا ما يجعلني أشعر أنني سأكون طبيبا (حمارا)، وكان رحمه الله يعلم أن الأدب لايؤكل عيشا تلك الأيام فقال لي محفزا: إذا ماتقدر على الطب لك أن تتحول إلى دراسة أخرى . فشعرت أنها قضية تحد بالنسبة لي، فقلت له: كيف ما أقدر على الطب.. فضحك ، وقال: إذن خلص الطب أولا ثم اقرأ بعد ذلك مابدا لك من الكتب فكانت إرادة الله.
اصطدمت ولاشك بالفارق الكمي والنوعي للخروج من الانغلاق الكلي إلى الانفتاح على كل شيء في القاهرة؟
لا أخفيك أنني ذهبت خائفا وعشت في شهوري الأولى في الجامعة صدمة حضارية لم آلفها خصوصا اختلاط الطالبات بالطلاب وشعرت بغربة لم يخففها إلا وجود الأصدقاء الذين زاملوني ومنهم ناصر السلوم وعبد الحميد فرائضي وعبد الله مناع وفائز بدر رحمه الله وفؤاد داغستاني وعبد الكريم فادن وعبد العزيز غندورة وفيصل زيدان وأحمد الشناوي وغيرهم، ولم تمض بضعة شهور حتى اشتعلت حرب 1956م وعشنا فترتها أياما مثيرة، وتفاعلنا مع الأحداث، فقررنا المشاركة في الجهاد وذهبنا في مسيرة ضمت ثمانين طالبا سعوديا في أحد أيام شهر نوفمبر إلى أحد معسكرات التدريب في الجيزة، وبعد أسبوع من التدريب على استخدام القنابل اليدوية والبنادق قيل لنا بأنكم جاهزون للمشاركة في المعركة، ولكن لم يطل بنا الأمر فانسحب الغزاة ولم تكن الصورة واضحة لنا ويكتنفها الغموض حتى اليوم.
من أي ناحية ؟
من قدرة وسائل الإعلام على تهيئة الشعوب بصورة ليست كاملة وبأجزاء يصوغها الساسة فقط .
شعرت بأنك استغفلت مثلا؟
بصراحة اندفاعنا وحماسنا لم يكن خطأ ومجازفة غير محسوبة، بل كان عين الصواب. ولكن تظل الصورة التي أعطيت لنا عن الحرب غير دقيقة، ولأوضح الصورة أكثر فقد كنت أقف أيام الغزو على سطح مدرسة نصبت عليها مدافع مضادة للطائرات، ومر ســرب منها فأطلقت المدافع قذائفها نحو الطائرات المعادية، وتصايح الطلاب: سقطت طائرة سقطت طائرة، فتأثرت بهم و «تصايحت» معهم في نشوة . لكنني لم أر أية طائرة تسقط، وظللت لعدة سنوات أروي قصة الطائرة التي سقطت أمام عيني، حتى قرأت أن طائرة واحدة لم تسقط في سماء القاهرة.
لكنك لم تنجرف سياسيا مع أي حزب في ظل موجة التيارات السياسية تلك الفترة؟
لم أكن مهتما بالسياسة أصلا، وغالبني شعور دائم طيلة سنوات وجودي في مصر بأن نجاحي في الدراسة مسألة كرامة بالنسبة لي، وأصبح التفوق هدفا أسعى إليه خصوصا بعد مشاهدتي لما يفعله الكثير من السياح العرب بحثا عن اللهو.
يقال إنك تأثرت بالأديب الكبير عباس محمود العقاد حتى في طريقة حديثه ؟
لدرجة لا تتخيلها، وقد حرصت طيلة فترة وجودي في مصر على حضور ندوته كل يوم جمعة، وقد أبهرني بموسوعيته وشخصيته التي وصفها الإخوة المصريون بأنها «ملو هدومها» .. أعجبني فيه اعتزازه بكرامته، ولا ألوم من ينتقدون الرجل لما كتبه في رواية سارة مثلا، أوجلوسه يوم الجمعة في ندوته إلى مابعد الصلاة، وأعتقد أن علينا التفريق بين إنتاج الأديب وأسلوبه في الحياة. سمعته أكثر من مرة يعبر عن أمنيته في التفرغ لتفسير القرآن، لكنه غادرنا قبل أن يحقق أمنيته، ومازلت أتذكر كم سال مني من دمع عندما سمعت في الإذاعة بوفاته. وظللت وفيا طيلة وجودي في مصر لمجالس الأدب والثقافة وحرصت على الالتقاء بيوسف السباعي ومصطفى محمود وصلاح جاهين والعوضي الوكيل وكنت أحضر ندوة الخميس في عوامة المرحوم إبراهيم فودة، وكنت أذهب مع صديقي الدكتور عبد الله باسلامة إلى الأوبرا لأسمع الموسيقى الكلاسيكية، ولدينا دوافع داخلية للتعلم، وأعترف أن هذه السنوات في مصر أثرتني وأثرت في كثيرا.
مع وجود أم كلثوم في عزها تلك الأيام؟
لم تهمني كما اهتم بها غيري، والمسألة تذوق.
وكيف واجهت الموقف الرافض لتخصصك في مجال الطب الوقائي وليس الطب السريري؟
كنت مقتنعا بأهمية اختياري وتوجهي رغم الموقف الرافض لتخصصي الذي يعتبر صورة كربونية لما واجهه الطبيب الذي قرأت عنه في الكتاب، حتى من زوجتي التي كانت النساء يسألنها عن تخصصي فتحتار في الإجابة، ولم تقتنع إلا بعد أن شاركتني في تنفيذ الجزء التطبيقي من رسالة الدكتوراة وذهابها معي إلى تربة البقوم أثناء دراستي الميدانية، فكانت تركب معي الوانيت في عز الظهر في شهر أغسطس هي وزميلاتها الباحثات وبعض الممرضات ممن تمت الاستعانة بهن؛ لكي يجمعن المعلومات من الأسر المقيمة في بيوت الشعر، وكن يعملن لأكثر من خمس عشرة ساعة متواصلة في اليوم، وعلى مدى ثلاثة أشهر خرجنا بنتائج ميدانية ممتازة . ومن العرفان أن أذكر للناس الدعم الذي وجدته من الدكتور محمد سعيد عبده الأستاذ في نفس تخصصي والشاعر الشعبي اللصيق بأمير الشعراء أحمد شوقي آنذاك، وكان يجمع قصائده المتناثرة التي كتبها على علب السجائر وأوراق صغيرة متناثرة، والرجل أثر في من خلال كتاباته تحت عنوان «خدعوك فقالوا» في الصحف المصرية، ولم تتح لي الفرصة للقائه في مصر، وإنما عرفته وجها لوجه والتقيته للمرة الأولى بعد أن كبر أثناء مهمة لي في مدينة البصرة مع منظمة الصحة العالمية نهاية السبعينات الميلادية، وقد أسعدني وأثراني بشكل كبير مع أن لقاءنا لم يستمر إلا أياما معدودة .
اشتهرت من خلال برنامج الطب والحياة الذي لامس نجاحا كبيرا لدى المشاهدين، والكل يتساءل لماذا توقفت؟
تعلمت الكثير من هذا البرنامج على مدى خمس عشرة سنة من العلاقة مع المشاهدين والفضل لله سبحانه وتعالى أولا ثم للشيخ جميل الحجيلان صاحب فكرة البرنامج، ومازلت أتذكر الحلقة الأولى التي سجلتها مع طبيب صاحب مجلة طبية معروفة، وكنت وقتها قادما من أمريكا ومتحمسا لما درسته فتحول حواري معه إلى محاكمة لما يقدمه لدرجة أحرجته كثيرا، وبعد خروجي من الاستديو راجعت مواقفي معه فشعرت بخطئي في حقه فاتصلت على التلفزيون وطلبت منهم عدم إذاعة الحلقة حفاظا على مشاعره. أما عن توقف البرنامج فهو أمر خارج عن إرادتي بعد أن عينت عضوا في مجلس الشورى، فقد شعرت بأنني في حاجة للتفرغ لمسؤولياتي الجديدة فاضطررت للتخلي عن أكثر من مسؤولية مجبرا، ومنها برنامج الطب والحياة، كما أوقفت مهمة أخرى عزيزة على نفسي وهي رئاسة المجلس العربي لطب الأسرة والمجتمع، والذي تعقد اجتماعاته في دمشق دائما، وأعضاؤه كلهم عمداء لكلية الطب في بلدانهم، كما توقفت عن رئاستي للجمعية السعودية لطب المجتمع.
ما الذي تقوله للأديب محمد رضا نصر الله الذي وجه نقدا لاذعا لك ولأخيك أسامة لعدم اهتمامكما بدور الوالد التنويري؟
الحقيقة أن الأخ محمد كتب في نفس الموضوع ثلاث مرات ولم أرد عليه إلا في المرة الأخيرة عبر رسالة عاتبته فيها على عدم سؤاله لنا قبل إشهاره للموضوع صحافيا، وقد يكون فعل ذلك معبرا عن وجهة نظره في تكريم الوالد رحمه الله عن طريق جائزة أوماشابه ذلك، ولكنه اجتهاد يختلف عن طريقتنا الخاصة في برنا لوالدنا والذي فعلناه ومازلنا مستمرين فيه بعيدا عن الحفلات والبهرجة.
أنا قد ألتمس للكاتب الحق فيما طرح لأن الوالد لم ينل حقه من التكريم والاهتمام فعلا كما حدث مع آخرين من جيله؟
هذا أمر تتبناه الدولة بجهازها الكبير، أما أنا فليس لدي الوقت والقدرة لذلك وأعمل ماأراه وفقا لقناعتي.
مثل ماذا؟
لم أكن أود التصريح بما فعلت ولكن ليطمئن خاطر المحبين لوالدي فقد أوقفت إيراد عمارة سكنية لتبني طلاب سعوديين وغير سعوديين وتدريبهم ومساعدتهم على إكمال دراساتهم الجامعية، ولدينا مجكوعة من الطلاب يستكملون دراستهم الجامعية في الداخل، كما تقوم زوجتي بتبني مجموعة من البنات في الجامعة، وأعتقد أننا نبر الوالد بهذه الطريقة .
مازال الكثير من محبي الوالد ينتظرون طباعة كتبه التي وعد أحد رجال الأعمال تكفله بها قبل أربعة عشر عاما؟
الشيخ عبد المقصود خوجة وسع الله عليه تبرع مشكورا بطباعة كل كتب الوالد وستظهر في الأشهر القليلة القادمة ، والموضوع تأخر بغرض المراجعة المستمرة فقط.
ظللت عضوا في مجلس الشورى على مدى ثلاث دورات، فما الذي حققته في مجال تخصصك؟
كنت حريصا على أن أقول الكلمة الصادقة المخلصة بعدة قضايا رئيسة، بدءا من تغيير النظام الصحي في المملكة مرورا بالتعليم الذي يجعل الإنسان قادرا على التفكير والإبداع من خلال الحوار واستغلال فرصة وجود توجهات طبية لدى الدولة بشأن ذلك، وانتهاء بقضية السجون وإيجاد بدائل لها، وأقولها بصوت عال ومن خلال زياراتي المتعددة بأن السجن ليس وسيلة تهذيب وإصلاح في كل العالم النامي، فهو بيئة مصغرة للحياة وتتركز فيها كثير من الشرور والآثام مع تقديري لكل الجهود التي تبذل من قبل المسؤولين، ولكن هذه طبيعة السجون فقد يدخل المدان في قضية عادية إلى السجن ويخرج مجرما عاتيا نتيجة المرارة في نفسه والحقد والاختلاط بزملاء السوء، وهناك بدائل كثيرة جدا، لكنني رغم كل ماقلت أقف مع بقاء السجن فقط لعتاة المجرمين والخطرين على المجتمع، أما المساجين العاديون فيكفي أن نضع لأحدهم سوارا في يده وتحدد له نقاط تحركه وتتركه يذهب لبيته وعمله، أوتكون عقوبته من خلال إلزامه بخدمة مجتمعه، وعلينا أن نأخذ المثل من الثلاثة الذين خلفوا في غزوة تبوك فقد كانت أقسى عقوبة لهم عدم الحديث معهم .
الملاحظ أنه لم يتغير شيء جذري في النظام الصحي الجديد لدرجة يشعر بها الناس ويتفاعلون معها؟
كلامك صحيح، ولهذا أسباب لابد من ذكرها، فعندما تقدمت من خلال مادة في المجلس تتيح للأعضاء أن يطلبوا استحداث أوتغيير النظام وتم قبولها من المقام السامي، كلفت مع زملائي في اللجنة الصحية في المجلس بإعادة النظر في النظام الصحي، وأمضينا سنتين في هذا المشروع، وكنت أقول لزملائي دائما بأننا لوركزنا على مادة واحدة لاستطعنا أن نصل إلى نسبة عالية من هدفنا ألا وهي (اللامركزية)، كنت ومازلت وسأظل أدعو إلى تخصيص ميزانية لكل مديرية شؤون صحية؛ لتتصرف بها في حدود خطة عامة تضعها وزارة الصحة، بحيث يكون دورها محصورا في التخطيط والمراقبة والتقييم والمحاسبة مع حسن اختيار مديري الشؤون الصحية وتدريبهم واختيار مديري المستشفيات بانتقائية شديدة على أن يعطى كل مدير مستشفى ميزانيته وصلاحيته ويترك له الخيار في الحركة والتصرف، كما تعطى لكل مركز صحي ميزانيته ثم نبدأ في المراقبة والتقييم والعبرة بالنتائج فنكرم من يحسن ونعاقب من يسيء، على ضوء المعايير المتفق عليها دوليا .
ولماذا صرف النظر عن نقطة (اللامركزية) تحديدا؟
لكي نكون واقعيين هناك لامركزية ولكنها محدودة، ومازال نظامنا الصحي يعمل على طريقة (هذا ماوجدنا عليه آباءنا)، وأؤكد من خبرتي عبر سنوات طويلة أنه إذا لم تتحقق اللامركزية المناط بها مسؤوليات وصلاحيات ومحاسبة فلن نتقدم بالشكل الذي نريده .
بمعنى أن هناك حالة انفصام بين ماتقوم به وزارة الصحة وواقع الحال على الأرض؟
هذه الحالة موجودة في كل العالم العربي وليس عندنا فقط، هناك انفصام بين التعليم والتدريب الصحي والطبي من جانب وبين الخدمات الصحية من جانب آخر، ولقاؤهما محدود جدا.
كأنك تريد أن تقول إن العملية الصحية في بلادنا تسير بطريقة الهرم المقلوب؟
أنت وضعت يدك على الجرح، ولن يتغير الوضع إذا لم نخطط بشكل سليم وهادف لما نريده بعد ثلاثين سنة من الآن عندما يتضاعف وقتها عدد سكان المملكة.
تقصد أن التخطيط لهذه الرؤية المستقبلية غير موجود؟
لا أقول ليس موجودا، ولكن ليس كافيا. ولو سألت أي شخص له صلة بالصحة عن مدى حاجتنا بعد ثلاثين سنة إلى الأطباء والفنيين الصحيين فلن تجد إجابة وافية .قمت شخصيا بدراسة مبدئية عن احتياجاتنا المستقبلية للقوى البشرية الصحية، وقد جرت العادة أن تتضاعف أعداد السكان في الدول النامية كل ثمان وعشرين سنة وفي بلدنا المعروف بكثرة التناسل قد يتضاعف في خمس وعشرين سنة، وفي ظل وجود 48000 طبيب حاليا في المملكة ( 22 في المائة منهم سعوديون) فهذا يعني أنه يجب أن يكون لدينا ستة وتسعين ألفا عام 2035م؛ لنحافظ على المستوى الصحي ، ولو تطلعنا في كثير من دول العالم المتقدمة لوجدنا أن هناك مالايقل عن عشرين فنيا صحيا مقابل كل طبيب، ودعنا نقول إننا بحاجة لعشرة فنيين صحيين فقط مقابل كل طبيب هذا يعني أننا بحاجة إلى تسعمائة وستين ألفا بعد خمس وعشرين سنة على أن تكون نسبة السعوديين 60في المائة منهم، أي أننا بحاجة إلى أكثر من نصف مليون فني صحي سعودي ذلك الوقت، ولو نظرنا للواقع لوجدنا أن عدد الفنيين الصحيين السعوديين لايتجاوز الخمسين ألفا حاليا، وهؤلاء دربناهم على مدى خمسين سنة عندما بدأت المعاهد الصحية تنتج، ويظل هناك سؤال قائم أيضا: هل نريد هؤلاء الفنيين بالدبلوم أم البكالوريوس؟
الواقع يقول إن ثمانين في المائة منهم يجب أن يكونوا بالدبلوم مع الحرص على تدريبهم وتأهيلهم على مستوى عال .
تقصد أن نركز على تطوير المعاهد الصحية؟
بل تنميتها ودعم طلابها بمكافآت شهرية أسوة بطلاب الجامعات؛ لأن البلد بحاجة إلى تخصصاتهم بشكل كبير . مشكلتنا في العالم العربي ليست في الأطباء، بل في الفئات المساعدة، فهل يصح أن لايحظى طلاب المعاهد الصحية بدعم رسومهم الدراسية. هذا أمر ينبغي إعادة النظر فيه من الجهات المسؤولة.
لا، ويفرض عليهم التعلم باللغة الإنجليزية وهو مالا يحدث مع طلبة الجامعات؟
أنا مثلك استغرب ذلك وأطالب بإعادة النظر فيه ، لأن التعلم باللغة الأجنبية لايزيد من قدرات الإنسان في اللغة وأفضل وسيلة لتعلم اللغة أن تتعلمها كلغة لا أن تتعلم بها علما من العلوم، وقد أثبت إحصائيا في كتابي (تجربتي في تعليم الطب باللغة العربية) أن طالب الطب الذي يقرأ مقالا باللغة العربية يستطيع أن يستوعبه ويتذكره أكثر بنسبة ستين في المائة مما لو قرأه باللغة الإنجليزية .
كأنك ترفض التعليم بلغات أجنبية في مقابل الحفاظ على العربية؟
لابد أن نحرص على تعليم اللغات الأجنبية الحية، ولكن ليس لنتعلم بها ،والأمثلة أمامنا في السويد وهولندا، بل لننظر إلى إسرائيل التي تدرس كل العلوم بلغتها وأحيتها من العدم، ولو ربطت ترقية أي أستاذ في كليات الطب أو طبيب بتأليف أو ترجمة كتاب باللغة العربية لامتلأت المكتبة الطبية العربية بآلاف الكتب .
ألم تطالب بهذا الأمر في مجلس الشورى؟
طالبت أكثر من مرة، وأحب أوضح حقيقة وهي أن أكثر طلاب الطب في عالمنا العربي يقرأون من الملخصات وليس من الكتب لأن سرعتهم في القراءة لاتساعدهم على القراءة مثل زملائهم الأمريكان أو الإنجليز فيتخرج الطالب بلغة ليست جيدة، بل إن بعضهم لايستطيع أن يقرأ مقالا في التايم أوالنيوزويك بسهولة، فأتمنى أن لانخلط بين تعلم اللغات وإجادتها وبين أن نتعلم بها علومنا .
الملاحظ أن المستشفيات خصوصا الأهلية منها تأخذ حقوقها من المرضى فيما تغيب الجهة المدافعة، أولنقل مواد النظام التي تحفظ لهم حقوقهم في حال التضرر، لماذا؟
الأنظمة موجودة لكنها في كثير من الأحيان لاتطبق، وأتذكر في بداية عملي في وزارة الصحة بعدما عدت من الولايات المتحدة وكان الشيخ جميل الحجيلان وزيرا للصحة، وهو رجل منفتح الصدر للحوار قلت له في أحد الاجتماعات أن مشكلتي معك أنك وزير وأنا موظف، فقال: لا، ياابني تفضل . قلت له أن بعض سكان المنطقة الشرقية يذهبون للعلاج في البحرين ــ قبل إنشاء جسر الملك فهد ــ لوجود خدمات جيدة هناك، (فأتمنى ياشيخ جميل أن تكون لدى كل مدير شؤون صحية في بلادنا صلاحيات الوزير)، وهذا كلام أنا مقتنع به وحدث في بداية السبعينات الميلادية، ولو طبق منذ ذلك التاريخ لتغير وجه الخدمات الصحية في بلادنا .
ولماذا نشعر أن الأخطاء الطبية لدينا فادحة رغم أنها تحصل في كثير من دول العالم؟
الأخطاء الطبية لايبرأ منها أي مجتمع في العالم، والعبرة دائما بالنسبة والتناسب، فأحيانا تضخم نتيجة حادثة معينة، وتهدأ أحيانا أخرى لأنه لم يأت شخص كبير لينبش فيها، وتعامل هذه المسألة في أمريكا مثلا عن طريق التأمين الطبي على كل طبيب أو عامل، لكن من الأشياء التي تسهم في التخفيف من الأخطاء الطبية هو التدريب المستمر ليس للطبيب فقط، بل لكل العاملين في القطاع وهناك توجه طيب في بلدنا تجاهه لكنه لاينفذ بالطريقة السليمة .
لماذا؟
الموضوع حساس نوعا ما، فالنظام يقول إنه لابد للطبيب وغير الطبيب أن يتدرب 90 ساعة كل ثلاث سنوات؛ ليجدد رخصته المهنية، وفي بعض الأحيان يهم الطبيب ــ خصوصا من يعمل في القطاع الخاص ــ أن يأخذ الشهادة فيحضر في اليوم الأول ويسجل اسمه ثم لايحضر بعد ذلك .
هذا تحايل على النظام؟
لا أريد أن أعلق، ولكن هذا مايحدث.
وإيقافه مسؤولية من؟
الحل ليس عندي، إلا أنني أكرر القول بأنه لو أتيحت الفرصة لأن يكون لكل مديرية شؤون صحية استقلالية بما فيها من صلاحيات ومسؤوليات، ثم تحاسب على النتائج ومن بينها التدريب المستمر للأطباء والعاملين بحيث يكون هناك تنافس بين جميع المديريات لصححت كثير من الأوضاع الخاطئة .
بمعنى أن المركزية الشديدة ضاعفت من أعباء الوزارة، وأضعفت دورها الرقابي والمحاسبي في نفس الوقت؟
تماما، ودعني أخفف من كلمة الشديدة، لكي لايحاسبني أحد على ماقلت، وأضرب لك مثلا في فنلندا التي تعتبر الرعاية الصحية فيها من أرقى المستويات في العالم، وزارة الصحة كما شاهدتها قبل سنوات لايزيد عدد العاملين فيها عن مائة شخص، مهمتهم وضع الخطة الشاملة بالتعاون مع المناطق، وكل منطقة صحية في فنلندا موزعة إلى مناطق أصغر قد تكون قرية أو ضاحية يسمونها (الكوميون) لايزيد عدد سكانها في بعض الأحايين عن عشرة آلاف نسمة ولهذا الكوميون ميزانية وصلاحيات تصرف في إطار الخطة العامة اعتمادا على النتائج التي تتوقعها الوزارة من خلال معايير متعارف عليها عالميا، هذا الكوميون يدير الشؤون الصحية فيه مجموعة متطوعين منهم الطبيب والتاجر والإطفائي وغيرهم، ولديهم ميزانية بعضها يأتي من الكوميون والبعض الآخر يأتي من الدولة ولهم الحق إذا واجهتهم مشكلة أن يحلوها بما يرونه مناسبا دون الحاجة لرفع خطابات الى الوزارة المركزية وانتظار نتائجها التي قد تأتي وقد لاتأتي، أما إذا واجهتهم مشكلة أكبر مثلا واحتاجوا إلى إنشاء مستشفى فيمكن لأكثر من كوميون من المتجاورين أن يجتمعوا ويضعوا خطة مبنية على مالديهم من ميزانيات فيبنوا المستشفى مثلا، ثم يطالبون مع نهاية العام مثل الطالب في مدرسته بنتائج ماأنجزوه. فأعود وأكرر بأنه لو وزعت الصلاحيات وركزت الوزارة على إعداد الخطة الشاملة بالتعاون مع المناطق في قضايا التعليم والتدريب والبحوث العلمية مع المتابعة والتقييم والمحاسبة إيجابا أو سلبا لحلت كثير من مشاكلنا الصحية.
يبدو لي أنك تحلم يادكتور بهذه النقلة، فالوزارة لم تتجاوب معك منذ أربعين عاما مع مقترح الطب الوقائي، فهل تتوقع أن ينسفوا ماهو قائم فقط من أجل اللامركزية؟
أعود فأقول بأن القطاع الصحي لو أنفق 2.5 في المائة من ميزانيتها في كل عام على التثقيف الصحي الموصل لتغيير السلوك وهو مانسميه (تعزيز الصحة) بشكل هادئ وإيجابي وبطرق علمية صحيحة لربما أدت إلى عشرة أضعافها في الارتفاع بالمستوى الصحي .
نتائج مضمونة؟
بدون شك، والسبب في ذلك أن أكثر من 75في المائة من المشاكل الصحية مرتبط بالسلوك في الأكل والشرب والنظافة والبيئة، والمسألة ليست مرتبطة بميزانية الصحة لدينا، بل في أي مجتمع والنتائج التي أعرفها في بعض الدول أدت إلى تغييرات جذرية في الرعاية الصحية .
وهل يدخل تحت اللائمة أيضا مانراه من فجوة ظاهرة بين التعليم الطبي والخدمات الصحية في مستشفياتنا؟
هذا الأمر ليس حكرا علينا فقط، فهو موجود في كثير من دول العالم، وســببه حالة الانفصام بين مايقوم به المعلمون الصحيون وبين المســؤولين عن الرعاية الصحية، ومن المعروف في أحيان كثيرة جدا أن الطبيب يتعلم مالا يحتاجه في التطبيق ويمارس مالم يتعلمه، وللأسف أن هذا يحدث تحت مظلة معروفة عنوانها ( هذا ماوجدنا عليه آباءنا).
هذا مدخل مزعج لحدوث الأخطاء الطبية؟
نعم، أعطيك أمثلة بسيطة جدا. فالطبيب في كليات الطب يقضي ساعات طويلة جدا في دراسة التشريح وهي عملية لايمارسها فيما بعد إلا إذا تخصص في الجراحة، وهناك قضايا يمارسها الطبيب ولا يتعلمها بقدر كاف وعملي مثل الإدارة الصحية والتخطيط والأخلاقيات الطبية، فهذه الفجوة لن تضيق خلال أيام وتحتاج إلى إعداد أجيال قادرة على التغيير في المستقبل، والحقيقة أن طلابي يسألونني دائما عن توقعاتي لهم في المستقبل فأقول لهم: لو خرج منكم طبيب واحد في الدفعة قادر على التغيير للأفضل بطريقة هادئة ومتزنة وهادفة لكسبنا الشيء الكثير في مجال الصحة.
دكتور.. بصراحة هل تطبق في حياتك ماتقوله للناس؟
كنت في مجلس إفطار في رمضان مع سمو الأمير سلطان حفظه الله، فقال: خلونا نشوف الدكتور ماذا يأكل ؟ فقلت لسموه: الأطباء مثل الشعراء طال عمرك يقولون مالا يفعلون، ولماذا نذهب بعيدا وفينا كمسلمين كثير ممن لايطبقون المبادئ الإسلامية في إتقان العمل والإخلاص فيه وصدق الكلمة، وهذا أمر طبيعي وأغلب الأطباء يدركون الأسس الصحية ولكن ليس كلهم .
وأمنيتك التي لم تتحقق حتى الآن؟
أن تتفرغ لجنة أومجلس من أعضاء متخصصين في كل المجالات بشكل كامل ليجيبوا على سؤال واحد فقط. ما الذي نريده لبلادنا بعد ثلاثين عاما من الآن، وسيجدون حتما الوسائل لذلك، ووقتها قد لا أكون على قيد الحياة لكنني سأكون سعيدا إذا تحقق ذلك.

المصدر: صحيفة عكاظ

بواسطة : admin
 0  0  2722